[«الفصل الأول: المقطع الرابع_ قيامة عشتار»]
علي المجاهد الشبح 2
(**من وجهة نظر زهراء نيسان)

خربة اللوز ريف إيبلا الشرقي أيار II021
تكون الرداء من العباءة، الخمار والطرحة، القفازين والجوارب الطويلة، كلها سوداء اللون تنفر الناظرين. وضعت الصبية الكيس في الحقيبة قائلة في دهشة: «اثنا عشر دولارا؟»
رد البائع بدون مبالاة: «إيه أخي، ألم تر العارضة؟»
كانت العارضة تنصح النساء بالالتزام بالزي الشرعي، استبدلت منذ شهرين بملصق ضخم ملون ومزين بالزهور يثير الغثيان بدل الذي كان مخطوطا بالأسود. «ثمنها يساوي مصروف نصف شهر لعائلة، هذه سرقة» فعاد البائع يشير للوحة الكبيرة، حيث كتب بجانب عناصر الزي الثمن الرسمي حسب الهيئة الشرعية.
لو أنها تعلمت الخياطة لعدلت من عباءة الأم زهراء لكن المقاس الكبير كان مجرد عذر، فحين ترتدي ملابسها تشعر بحضورها أكثر من أي وقت مضى. لا تكوني سخيفة. ورمت بالكيس إلى البائع قائلة: «لن أضيع المال على خزعبلات كهذه»
كان الفقر والعوز بين الناس أكثر انتشارا ببلدة خربة اللوز. قرب المحل تجمع أهل البلدة الفقراء حول شاحنة المعونات، كان هذا طبع العوام، يفضلون التسول بدل القتال. كان أغلب المتجمهرين نساء ملثمات بالأسود يحاولن أن يسرعن لأخذ الدور قبل انتهاء الكمية. سارت على الجانب الخالي الذي تبقى من الطريق فصدمتها طفلة، وأخذت تتسابق مع الأخريات، من صغر حجمها استطاعت التقدم إلى الأمام، ووقفت أمام الموزع مادة يديها متلهفة، لكنه تعدى دورها فألحت الطفلة قائلة: «أنا، أنا، الله يخليك»
رد الموزع بنبرة أبوية: «روحي حتى تتخمري يا ابنتي عندها فقط سأعطيك» فجمعت يديها الممدودتين وأمالت رأسها مكسورة الخاطر، تدافع الناس من خلفها فتراجعت رغما عنها.
كانت متسخة الثياب وحذائها رث من كثرة الاستعمال، قبل سنوات كانت الصبية مثلها إلى أن التقت العم أبا يزيد، اقتربت منها وانحنت إلى مستوى طولها قائلة: «أأنت بخير يا صغيرة؟»
لم تفهم زهراء لما على طفلة بعمرها أن تغطي شعرها أيضا، تعلمت أن النساء يثرن غريزة الرجال لهذا عليهن ستر عورتهن لكن ما الذي تملكه طفلة لتثير رجلا بالغا إلا إذا كان به خطب ما.
سلمتها الاثنا عشر دولارا، فاندهشت الطفلة فقالت لها الصبية: «إنها لك، فاصرفيها بحكمة، حسن؟» ونفشت شعر رأسها كما كان يفعل أبو يزيد عندما يمازحها.
كان على الشاحنة رمز منظمة دولية إغاثية لكن الموزع لم يرتدي شارة أو زيا يحمل الرمز. راقبت تحركاته بفضول في البداية إلى أن لاحظت أن بعض الأكياس التي وزعها أعيد غلقها قبل التسليم. فقامت بتتبعه بالدراجة النارية عندما انتهى إلى أن أوقف شاحنته عند منزل على بعد حارتين.
حمل مع اثنين من معاونيه ما تبقى من حمولة إلى العمارة، داخل شقة في الطابق الأرضي، ادعت أنها ضائعة وسألت واحد منهم عن عنوان اختلقته وألقت نظرة سريعة إلى داخل الشقة؛ كانت مليئة بشتى أنواع السلع التي تحمل رمز المنظمة الخيرية، لمحت بعضا منها قد أعيد تغليفها بعلامات تجارية معروفة. كان الرجل سيبيعها في السوق بالثمن الذي يحدده وخصوصا لسلع مطلوبة كالطحين وحليب الأطفال.
نسيت ما جاءت من أجله وبدلا من ذلك راقبت تحركاتهم طيلة النهار إلى أن وجدت فرصة سانحة للتسلل إلى داخل الشقة. حطمت القفل بطلقة رصاصة، دوى صداها في المبنى غير أن صوت الرصاص أصبح شائعا كصوت محركات السيارات. جالت في أركان الشقة المفروشة وتفحصت ممتلكات صاحبها أما السلع فقد خصصت لها قاعة الجلوس والبهو الفسيح الذي يتسع لمخزون شهر كامل لعشرات الأسر.
جلست على الأريكة تقلب قنوات التلفاز وفتحت علبة بسكويت بالشوكولا. تطلب الانتظار أربع علب إلى حين عودة الموزع مع رجل اتضح من ثرثرته أنه صاحب الشقة.
فتح الباب قائلا: «لن أعطيك أكثر من عشر الأرباح، وإن لم تشأ فلتجد عملا آخر»
دخل الموزع وأجاب: «أهذه هي النخوة يا أخي؟ إني من أتولى القيام بالمهمة الصعبة، يكفيك…» وبتر عبارته حين لاحظ وجودها.
تسلت بنظراتهما المرتبكة لبعض الوقت وهي مسترخية على الأريكة، اندفع صاحب الشقة مهاجما على اللص الوقح حسب تعبيره لاعنا إياه بأقدح الشتائم. سحبت المسدس من جيبها الخلفي بخفة وأصابته بالرأس قبل أن يكمل خطوته الثانية. حاول الموزع الهرب فأطلقت رصاصة أمام عتبة الباب أجبرته على التراجع نحو الداخل ثم أمرته بالجلوس إلى جانبها، سألته قائلة: «لما ليس لديك علبة عصير أو ما شابه؟ من الصعب مضغ البسكويت لوحده لمدة طويلة»
أجاب الرجل فزعا: «من أنت ومن أرسلك؟»
أجابت مبتسمة: «عصفورة حلوة» وسارت أمامه متلاعبة بالمسدس بين أصابعها: «المقاتلون يحاولون الدفاع وتحرير البلدات من…» وهرشت مقدمة رأسها مفكرة: «لا أدري، من الأمريكان والروش، الضبع والشيعة وتطول اللائحة… والشعب من العوام يحاول النجاة ليوم آخر» ولوحت بالمسدس نحوه: «وأنت تسرق بأخبث طريقة يمكن للعقل أن يتخيلها»
وضع يده على فمه راجيا قائلا: «الله يرحم البطن الذي حملك، لن أعيدها، اضطررت لهذا العمل بعد أن باءت تجارتي، والله لن أعيدها»
ـــ «أعلم، سأتأكد من أنك ستقوم بعملك وإلا سأحرق هذا البيت وأنت في داخله المرة القادمة»
وفجرت التلفزيون برصاصة اهتز لها بدنه مرتعبا، التقطته من عنقه وصفعته ليعود إلى رشده وقالت: «ستقوم بتوزيع هذه المعونات لمن يحتاجها وبالتساوي. لن تفرق بين امرأة ورجل، بين كبير وصغير، بين من يلبس الخمار أو لا يلبس فذلك قراره، إنك تعرف من أقصد»
دور عينيه متسائلا فصفعته ثانية: «الطفلة أيها المعتوه»
فأماء رأسه في حركة سريعة: «إيه سأفعل ما تشاء فقط لا تقتلني الله يرحم أبوك»
أطلقته وقالت: «إذا حاولت ثانية أن تستثني أحدا من عباد الله من خير الله فعلي» وأشارت إلى نفسها: «سيقطعك من الحلقوم إلى الخصيتين»
تمتم الرجل فزعا: «علي الداشعي؟»
ـــ «أوه، يبدو أن سمعتي قد سبقتني، إذن فلتنفذ ما أمرتك به، ولا تسلب الناس حقوقهم» تمعنت في عينيه المرعبتين، يقبع بداخله ظل رجل جبان ورمته أرضا، مرت من جانب الجثة الرجل الثاني وتحاشت الدوس على دمائه، وأقفلت الباب خلفها وهي تدندن.
اتجهت نحو محل حلويات يشتهر بالبوظة المعدة منزليا. اختارت نكهات الكريات المثلجة على مهل، ثلاث كرات شوكولا، وواحدة فريزا وأخرى فانيلا. وانكبت على التهام ما في طاسة البوظة من الحجم الكبير، جالسة عند طاولة في إحدى زوايا المحل.
أخفت القلنسوة السوداء كثيرا من ملامحها كما تخبئ خصلات شعرها الذي طال، أصبح التظاهر كفتى أصعب كلما كبرت في العمر، فالملابس الفضفاضة لم تعد كافية لإخفاء ملامحها الأنثوية، ربما سألتجئ إلى العباءة من الآن فصاعدا، فهزت رأسها، سيُستخف بها، ستغدو امرأة في أعين الناس، ستُحرم من حريتها وستحد من تنقلاتها، قد اختبرت الأمر عدة مرات وكان الوضع مزعجا لها إلى حد كبير.
أثار دخول مجموعة من التوانسة إلى المحل انتباه الزبائن أما الصبية فشدت القلنسوة إلى الأمام أكثر. علا صخبهم وهم يتمازحون بلهجتهم المغاربية الخفيفة، ميزت حسين من وقفته المشدودة بينهم ولهجته الغليظة وهو يحاول مسايرتهم، أشارت له بتلويحة قصيرة ليعرف مكان جلوسها.
أسند الشاب العشريني ظهره إلى كرسي وتنهد من التعب كعجوز بعدما تملص من المجموعة الصاخبة، نما الشيب على صدغيه فحباه منظرا وقورا، له عظمتي وجنتين بارزتين وملأت آثار حب الشباب وجهه.
ـــ «كم واحدا سينضم؟» سألته مشيرة إلى المجموعة التي تحلقت حول إحدى الطاولات في وسط المحل مما أدى إلى مغادرة بعض الزبائن المتوجسين منهم، فسمعة التوانسة من الدواشع تثير الرعب في قلوب العوام.
أجاب عاقدا ذراعيه: «أربعة مقابل أجر واثنان مدينان للقائد أبي يزيد» وصمت لبرهة ثم أردف: «أمتأكدة مما تصنعين؟»
تناولت ملعقة محدقة في الإناء وقالت: «إنه الواجب يا خاي»
دنا منها قائلا: «لكن القائد كان واضحا في أوامره، الهرب نحو الحدود التركيشية أأمن في الوقت الحالي»
فحدجته في غضب: «لن أذهب لأي مكان من دون العم، لا يمكننا أن نتركه في الأسر تحت رحمة عملاء الغرب» لو كان أبو يزيد هنا لأنبها على فعل شيء كهذا، تكاد تلمح ملامحه الجادة وهو يحاضرها. فطوال عام تمكن من إرسال رسالة واحدة من السجن لا غير، مفادها أن تمضي مع الأم زهراء نحو مخيم الكرامة والاختباء عن الأنظار، لكن كيف يمكنها الهرب وتتركه وهي تعرف المصير الذي ينتظره. فقبل شهرين تم شنق أزيد من عشرين عنصرا بتهمة الانتماء إلى التنظيم، وكل يوم تصلها أخبار عن أهوال سجن الحكسة وكيف يخرج السجناء جثثا في أكياس من التعذيب وانتشار المرض والإهمال. كانت العملية مخاطرة كبيرة لكن كل شيء يهون إن كانت ستراه ثانية.
تنهد حسين ونظر جانبا قائلا: «إذن ماذا قال أبو سلمان في هذا الشأن؟» فأشارت إلى المدخل حين لمحته آت وهو متأخر كعادته، فعلقت مبتسمة: «ذكرنا القط قام ينط»
اتجه صوبهما وربت على ظهرها مازحا، وفي كل مرة ضربته تطحن عظامها، وقال: «ألا تكبر يا فتى؟ إنك تبدو هزيلا أكثر مما مضى، آخ على جيلكم، كله أقزام»
ردت مازحة: «كوني قزم أفضل من أكون غوريلا»
فضرب أبو سلمان على صدره قائلا: «غوريلا وأفتخر» ثم ارتمى على الكرسي واستحوذ على طاسة البوظة خاصتها وقال: «أرجو أن تكون قد استمتعت بمهمتك الأخيرة؟» قصد عملية اغتيال العجوز، فمن يريد استئجار خدمات علي يتصل بأبي سلمان، ومد الظرف المملوء بالمال قائلا: «ستجد المبلغ كاملا بعد اقتطاع عمولتي وأجرة المخبر»
فقال حسين: «على سيرة المخبر، أتثقان به؟»
رد أبو سلمان: «أثق برياض فهو واحد من معارفي كما أنه خبير في هذا الشأن»
أطلق حسين آهة ساخرة وعقب: «واحد من معارفك؟ بالتأكيد سُمعته ستكون مثل الزفت»
ـــ «وأولهم أنت» ودنا منه متحديا إياه
فقاطعتهما الصبية قائلة ببرود: «يمكنكما قتل بعضكما عندما ننتهي من العملية» وفردت ورقة منكمشة مليئة بالخربشات: «حسب معلومات المخبر سترافق عربة نقل السجناء ثلاث سيارات أمنية. أبو سلمان سيقود مجموعة الاقتحام وحسين ستقود من تبقى لتأمين طريق الخروج أما أنا فسأتولى أمر المتفجرات» وهرشت أجمة شعرها الأمامية مفكرة: «بداية الهجوم ستكون عند مفترق الطرق فعندها ستضطر عربة النقل لخفض السرعة، ستنفجر السيارة الأولى وتنحرف. ثم ستهاجم عناصر من المجموعة الأولى من الخلف، ومن بقي معك يا أبا سلمان سينضم إلي لمحاصرة العربة وفتحها، وهنا يأتي دورك يا حسين، ستعطلهم قدر الإمكان لكيلا يتعقبوننا» ووضعت قبضتها على الطاولة متحمسة: «وهكذا سننفذ عملية تحرير الغراب» وشرعت يديها منتظرة أن يبديا إعجابهما بتخطيطها المتقن.
فقال حسين متسائلا: «من الغراب هنا؟»
هز أبو سلمان كتفيه وقال: «غراب أم دجاجة؟ ما الفرق؟ موعدنا بعد غد بكفر توما على العاشرة صباحا» وقام مودعا إياهما: «علي الذهاب قبل أن تشتاق زوجتي الجديدة إلي»
فقال حسين: «كم وصل عدد زوجات ذلك اللعين إلى حد الآن؟»
فأجابت وقد أمالت رأسها: «أظنها السابعة أو الثامنة، لقد توقفت عن العد. ما يهم أنه عند كل عقد قران يعد لنا وليمة، إننا نستفيد أيضا»
ـــ «تماما، إنه سخي، الخصلة الوحيدة التي تجعلني أتحمله» وأخذ يدق بإصبعه على الطاولة بتوتر وأضاف بنبرة أخفض: «على ذكر موضوع الزواج، ألازلنا عند اتفاقنا؟»
ندت شفتيها عن ابتسامة مصطنعة وردت: «أجل، بعد خروج العم سنطرح الموضوع ثانية» كادت أن تنس عرض زواجه الذي قدمه بعد وفاة الأم زهراء، أغلب الظن أنه قام بذلك بسبب ما تمليه عليه النخوة ولم يشأ أن يتركها وحيدة.
قال والبهجة على محياه: «سنتزوج ونذهب إلى أفغانيا، قريبا سيخرج الأمريكان من هناك ويعود الحكم لنا» حافظت على ابتسامتها، فهي لم تشأ الرفض لكيلا تخسره، فقد كان حسين الأخ الأكبر ورفيق علي المقرب حينما كانا بمخيم أشبال الخلافة لكنه الآن يراها بطريقة مختلفة، تلمح ذلك بعينيه وتجس منه توترا في كثير من الأحيان، لم يعد بينهما ذلك المزاح الصبياني، لقد صنع حاجزا منذ أن عرف أنها فتاة، سبب آخر لتكره هذه الصفة فيها.
كان المساء قد حل وأطل بظلاله على نوافذ المنزل نصف المبني. دخلت الصبية وأغلقت الباب بإحكام وتحققت من النوافذ ومن دون أن يفارقها المسدس وجرابه المعلق على خصرها، فاللصوص ينتظرون سهوة من أصحاب البيوت لينقضوا وينهبوا على ما وقعت أيديهم عليه. انهمكت في تفكيك وتنظيف بندقيتها، فغدا ستذهب للاتفاق مع خبير المتفجرات لتجهيز ما يلزم، وأطلقت تنهيدة طويلة فلو أن في حوزتها الحجر الماسي لما كلفتها هذه العملية شيئا، ونظرت صوب حجرة موصدة ثم رمت ما بيدها.
كانت حاجيات العم منظمة في الحجرة، كل شيء كما تركه، فكلما فتشت بينها أعادت كل غرض إلى مكانه. وبدأت البحث من جديد، لعلها تجد أثرا للمزود. لكن العم أخفى مصدره جيدا فلم يعد يؤتمنها على حجر المادة الشبح فقد خسرت ثقته وخيبت أمله. على صدرها يجثم حجر الحزن والوحدة. أطلقت نفسا عميقا، وأخدت تفتش كل ركن بالغرفة من جديد. أزالت لوح الصوان الداخلي على أمل العثور على مخبئ سري، وضربت الأرضية بقدمها لكن دون جدوى.
غادرت الحجرة نحو البهو وعاد البيت الخالي يرن بلحن الفراغ القاسي. تعلمت الصبية ألا تتعلق بأي مسكن تحل به، من الدير إلى المخيم إلى منازل تفرقت بين بلدة أو قرية جديدة إلا بيت تل هوى…
كان منزلا جميلا، ببوابته المزخرفة ونقوش خشبه المعشق، كانت لها غرفة تطل على حديقة مخضرة طوال العام. حينها كان العم يقضي وقتا أطول معهما حتى أن الأم زهراء تصرفت في تلك الأوقات كالبشر، عكس آخر أيامها عندما تضاعف هوسها وجنونها، فلازال التمثال مكسور الأنف قابعا على الحصير القصبي ينظر إلى الصبية موبخا، يحن إلى صاحبته وقد التفت حوله الشموع الثمانية ودهنها الذائب تصلب بين حواشها. عليّ إزالة هذه الأشياء، بيد أنها تؤجل هذا العمل في كل مرة.
بعد وفاة الأم زهراء، لم تعد تستطع الصبية رؤية ما كانت تراه ولا تسمع ما كانت تسمعه وهذا ما حلمت به، إذن لم تشتاق إلى ذلك، لما؟ لا هذا أفضل بكثير، وهزت رأسها ثانية، وتجاهلت عيون التمثال الحزينة. هي لم تعد تلك الطفلة اليتيمة الضعيفة، ونظرت إلى نفسها إلى المرآة المعلقة، إذن من هذه التي تراها، صاحبة النظرات المحبطة؟ يا ترى من هذه الفتاة البائسة؟
أشارت الساعة إلى منتصف الليل، فرقدت على الأريكة التي في قاع الدار وعانقت بندقيتها، رفيقتها الوحيدة، محاولة أن تنال قسطا من النوم.
كفر توما، غرب شمال حلبا 15 أيار II021
تبلورت الشمس بأشعتها الدافئة، تنعكس على جباه المارة القلائل وتتسلل عبر زجاج السيارات المسرعة. بأعلى السلالم التي تحاذي الرصيف وتطل على الشارع العام، بنيت بين عمارتين سكنتين كانت تؤدي إلى مقهى أغلق منذ زمن، وقفت الصبية تراقب في تأهب والريح تلاعب ثنايا عباءتها السوداء. خلف ظهرها وعلى الجانب الأيمن احدودب الثوب على شكل البندقية المجهزة للتصويب. كانت تعد الدقائق في صبر وتعد العربات التي تتباطأ عند الدائرة الطرقية لتنعطف يمينا ناحية سوق شعبي يبعد مئتي متر عن موقعها ثم ظهرت في الأفق سيارة جيب كركية اللون وخلفها سيارة نقل كبيرة بيضاء تحرسها من الخلف سيارتي تويوتا. ضغطت على ملقط صوت في أذنها وهمست: «رفاق، عملية تحرير الغراب ستنطلق بعد قليل» فرد كل من حسين وأبي سلمان بالإيجاب.
في وسط الطريق تحت جارور الصرف الصحي، يطن هاتف بضوء أحمر في انتظار إشارة من الهاتف قديم الطراز الذي في حوزتها. كانت يداها ترتعشان، هل هي الحماسة أم الخوف؟ اشتد نبض قلبها فأخذت نفسا عميقا، وتجهزت للضغط على الزر وعينها على السيارة الكركية، وفجأة دوى انفجار مدوي قبل أن يلامس إصبعها الزر…
تصاعدت أعمدة دخان سوداء تتلوى كالأفاعي نحو السماء من ناحية السوق، ثم لمحت عربة النقل تتوقف بعيدا عن الدائرة الطرقية والسيارات التي معها تستدير إلى الطريق المعاكس حيث توقفت حركة السير وسط الطريق على وقع دوي الانفجار. شدت على الهاتف في عصبية، فسيارة النقل ستفلت منها، لم تدري أي حظ سيء ليحدث انفجار آخر بالقرب من موقع العملية. ضغطت على ملقط الصوت قائلة: «أبو سلمان، لقد وقع خطأ ما، فلتهاجم الآن» لكن أحدا لم يرد وأخذت عربة النقل تبتعد في الأفق شيئا فشيئا فقفزت من على حاجز السلالم ومضت مسرعة صوبها، فصاحت من جديد: «أبا سلمان أجبني، تبا!» فرد حسين بدلا منه: «أبا سلمان ليس هنا، لقد أخذوه» وسمعت من حوله صوت تبادل النيران، فقالت: «ما الذي يحصل؟»
فأجاب بصوت متقطع: «اسمعيني جيدا، لا تبقي هناك، إنه… إنه أبو حمزة الأسدي»
رمت ملقط الصوت وحطمته بحذائها وهي تعض على أسنانها في غضب: «ذلك اللعين». هبت سيارات العسكر تلوح في الأجواء، فاضطرت الصبية للهرب، التفت حول الأزقة الضيقة إلا أن المكان أخذ يعج بالحركة ورجال الأمن، فنزعت البندقية الظاهرة على كتفها ولوتها في العباءة. استدارت يمينا وشمالا فعثرت على فجوة بين مكبي القمامة فخبأت سلاحها في تردد، واختلطت بالحشود كيلا يلاحظها أحد وقد أصبحت حركة الناس سريعة في اتجاه واحد بعيونهم الجزعة، مر أحدهم بجانبها يصيح: «داشع فجرته»
*******


