تجول المزعبراتي بين شبابيك القصر الرئاسي المشيد حديثا، بفخامته وأثاثه الدمشقي الأصيل وشبكته الأمنية المعقدة. كان حامض بمكتبه الرئاسي الفخم وقد علق القناع الخرساني، الذي عثر عليه أسفل بحيرة طبريا، كديكور إضافي بينما الديكور الأساسي كانت صورته المضخمة في إطار مذهب، وضخم اسمه حامض الضبع، وصنع تاريخا جديدا لعائلته، فألف رسالة تاريخية تثبت أن والده كان من المقاومين الكبار ضد الاحتلال الفرنجي، وملأ المناصب الحساسة بأقربائه وتابعيه، ألأنه يثق بهم؟
[«لعنة طبريا الجزء الأول: السماوي والتابوت»]

5. سر تابوت طبريا
دخل ضابط مخابرات جامد الملامح، ألقى التحية في انتظار الأوامر. قال حامض: “هذا أمر مباشر أريد أن تقوم بملف عن كل هؤلاء”
وانحنى الضابط محترما ثم اقترب من طاولة المكتب الضخمة من خشب الأرز؛ تعجب الضابط، فقد كان عليها أسماء كبيرة، أخوة الضبع وأبناء عمومته وخالاته وأشخاص من قريته واسمه: “سيدي، اسمك على القائمة؟”
ـ “إيه، اعمل ملف عن حامض الضبع كما يجب”
عند مائدة العشاء اصطف الأبناء بتنظيم وصمت ثقيل يخرقه ضربات مارقة من السكاكين والشوكات على الصحون الخزفية. رمى الابن الأصغر ماجن بالشوكة رافضا تناول الطعام، فرماه الابن الأكبر بنظرة محذرة فعاد يمسك الشوكة. ارتسمت ابتسامة في أعماق حامض، فبكره شاب يُعتمد عليه، لم يشك في أنه من صلبه للحظة واحدة، ليس لأنه قد ورث منه الجبهة العريضة والحاجبين المقوسين والقامة القصيرة والشفاه، بل حينها كان طلاح جديد في مصراوة. لا، سيطر على أفكاره فأنيسة ليست هذا النوع من النساء. كما أنها كانت تنتظر مولودا، وأخبره الأطباء إنه طفل ذكر آخر سيحمل لقبه.
استغرب المزعبراتي من قدر الاحترام الذي يكنه حامض الشكاك الحذر لزوجته رغم الشكوك الذي تخامره بين الفينة والأخرى حول نسب واحد من أبنائه. كم رغب الأبيض أن يقرأ أفكار تلك المرأة ذات الوجه الطويل والعينين الزرقاوين الحادتين، إنها الزوجة المطيعة المؤيدة لزوجها في كل شيء منذ البداية.
قالت يمنى، البنت الكبرى، متذمرة: “الجو بارد على الدوام رغم انتقالنا إلى القصر الجديد”
دور المزعبراتي عينيه، فهو لم يبارح جانب حامض منذ حصوله على صندوق فالديهام فالفضول يحرقه ليعرف ما يوجد بداخله. ردت الأم: “إنه مبنى جديد، ستعتادين على الوضع..”
صمتت عندما رفع حامض يده وأشار لابنته: “يكفي تذمرا وانتبهي لتصرفاتك، فأنت ابنة رئيس البلد الآن، وعليك أن تتصرفي بما يليق بابنة الرئيس. الكلام موجه لكل واحد منكم. مفهوم؟”
وعم صمت أبرد من الجو حول المائدة، أما الأبيض فكاد يموت من الانتظار والإثارة لمعرفة ما كان فالديهام يحميه كل هذه الألفيات، فحامض لم يفتح الصندوق ببساطة، وظل لأشهر يفكر ويخطط ويتخذ احتياطات قبل فعل ذلك متسائلا كيف أن يتلخص التابوت الضخم والآلاف من المترات المكعبة المهدورة من مياه بحيرة طبرية وأشباح طاقية في صندوق بعرض خمسين سنتمترا.
وفي نهاية الأسبوع، تسلم تقريرا من مختبر عسكري يفيد بأنهم عثروا على طريقة لفتح القفل المغناطيسي، كما أن الصندوق المعني لا يشكل خطرا فهو لا يحتوي على شيء سام أو متفجر، ورغم ذلك ظل حامض متشككا حذرا.
أخذ الضبع الصندوق إلى أحد عقاراته العديدة، بناية تقع في الغوطة الشرقية، وحيدا، إذ لم يشأ أن يشارك أحد سره بل إنه التفت حول نفسه لظنه أن أحدا ما خلفه، فلم يجد أحدا. كان ذاك المزعبراتي ينتظر والفضول يتحرقه وقد كاد يصرخ في وجه ذلك البشري المهووس ليفتح الصندوق اللعين.
وحان الوقت ورفع حامض الغطاء… وجد داخله شتلة، شتلة شجرة قبيحة الشكل، شبه ذابلة وتفوح منها رائحة زنخة. أطلق حامض نخرة، بينما المزعبراتي امتعض بعد كل هذا الانتظار حتى احترقت سيالاته الطاقية. هل هذه مزحة قاسية من غابرييل المتعفن؟ لا، لقد خدعه في النهاية وخبأ سره. ثم لاحظ حامض شيئا صغيرا عالقا بين عريشات الشتلة المنحنية، شيئا لزجا أشبه بعلقة بلون بني مسود، ضيق حامض عينيه مخفضا رأسه تجاهها متفحصا وعلى حين غرة قفز ذلك الشيء على وجهه واقتحم منخره الأيسر. جفل حامض وهز رأسه ونفض أنفه من دون فائدة، أخذ شهيقا ثم زفيرا، لم يشعر بشيء إلا أن الرعب ملأه.
فحص نفسه بالأشعة والرنين المغناطيسي دون أن يظهر أي جسم دخيل في جسده، مضت الأيام والأشهر في كل يوم يتراءى له مشهد عجيب، فأحيانا يرى كأنه محاط بآلاف من الجند ذوي أجنحة يسجدون له وهو بالأعلى وأحيانا يحلم بأن جناحاه يتساقطان أمامه كالرماد في رمشة عين ويشهد الجحيم للحظة. إنه يعلم أن شيئا ما اقتحم ذاته مما سبب له الهوس والقلق فبدأ بعض من حاشيته يلاحظون تصرفاته التي تبدو كمس من الجنون.
اشتد الضيق بحامض وخشي بأن يفقد ما كسبه بعدما وصل إلى أعلى هرم السلطة في حين عليه أن يثبِّت حكمه وقوته. فكان ولابد من أن يتخلص من اللعنة التي تركها فالديهام خلفه، ولأن العلم لا قبل له بهذا، استعان بأفضل مشعوذي سورمادا. كان كل منهم يحتار فيما أصابه وجميعهم يتفقون بأن سحرا أسودا يلفه. أما المزعبراتي فيراقب بسخرية فتلك طاقته، وطاقتي ليست سحرا أسودا يا أيها الملاعين. إلا أنه يتفق مع القلق الذي يساور دميته، فجسم ما غريب طار من الشتلة الذابلة إلى داخله، ولم يكن لدى المزعبراتي الوقت ليفحص طاقته.
لكن أحد المشعوذين يعطي إجابة مختلفة لحامض: “جسدك يا سيدي الرئيس استوطنه كائن عجيب، ليس من هذا العالم بالتأكيد” كان للمشعوذ عيون صغيرة أثقلها بكحل ثخين وهو يسأل: “أرجو منك الأمان يا سيدي، لكني لا أقدر على مساعدتك إن لم تخبرني بكل التفاصيل”
نهض حامض نحو شباك يتمعن في هدوء ليل قرية جبلة الساكن، لم يكن أمامه خيار فروى بحد معقول كيف وصل الطفيلي له. سكت المشعوذ لمدة طويلة، ربما أكثر من عشر دقائق ثم قال: “سيدي الرئيس، إنك في ورطة عظيمة”
أخذ حامض نفسا وقال: “اشرح، ولا تفكر في اللعب حولي”
رد المشعوذ بمسكنة: “سيدي، أنا والله سألتني وعلى قدر السؤال أجاوب، هذا العلم ليس لأي كان، وعاهدت نفسي ألا أتدخل في شيء كهذا، ولكن ولأنك شخصية ذا مكانة بل أهم شخص في البلد فلابد من أن أكون عونك” “لا تمطيط، اشرح..”
ـ “أولا أعوذ بالله، فوفقا ما أخبرتني به سيدي، لابد وأن هذا الطفيلي كان ذي طاقة عظيمة، وذاك المكان مبني على يد الشياطين لا محالة..”
ـ “بلا ما تخرف!”
اهتز المشعوذ ثم قال: “فكما وصفتم سيدي، هذا طفيلي كان يعيش على مياه طبريا، وبقدر ما كان في ذلك المكان من أدوات، وهذا يعني أنه كان يعيش على طاقة الماء النقية والمتجددة.. أي أنه كائن يفضل الجسم ذي طاقة أكثر نقاء وصفاء.. وفي علم الطاقات، وهو علم الأولين، سيدي، ولا يعرفه إلا زبدة القلة القليلة الفهيمة ممن أوتوا العلم..” واستدرك خائفا أكثر حين استشعر نفاذ صبر سيده: “الخلاصة سيدي، إنه ولكي تتخلص من الطفيلي عليك أن تحوله إلى جسد بطاقة أكثر نقاء وصفاء، وتحويل الطاقات شغلة يعني جد معقدة وله طرق كثيرة.. الوسيلة الأسهل لتبادل الطاقة هي، واعذرني على هاي الكلمة، هي ممارسة الجنس ولكنها عملية غير مضمونة، وكما تلتزم أن تجد امرأة ذات طاقة نقية صافية، وهذا أمر نادر. فوفقا لكلامك فهذا الطفيلي ولابد وأنه كان كائنا بطاقة عظيمة، ولذلك ولابد من وسيلة أكثر تعقيدا وهي سيدي تبادل الدماء” نزل حاجبا حامض وهو يمحص الكلام بينما المشعوذ يقول: “ولأن الطفيلي يسعى للطاقة المتجددة النقية فلابد أن يكون الطرف الثاني الذي تبادله دماءك طفل رضيع، بل طفل رضيع لم تذبل قطعة حبله السري ولابد أن يكون دمه أقرب لدمك، كلما كان أقرب، كلما كان أفضل وضمنت النتيجة”
لم يجد الضبع ضررا في تجربة كلام المشعوذ وإن لم يرقه ما يصنع، فهو العسكري المخضرم الذي يلتمس الحقائق ليصنع الوقائع، يتبع كلام دجال، ولأن للضرورة أحكام، وافق على قيام طقس في تبادل الطاقات، وكلف تابعه بإحضار طفل رضيع من إحدى المستشفيات يحمل نفس فئة دمه.
بنفس البناية النائية وفي عز الظلام، أضاء الدجال شموعا ذي رائحة نفاذة وأشعل في موقد فخاري أعشابا وحجر الشب. ظل لعدة دقائق يتهامس مع نفسه وإن تجلى لحامض أن أطيافا تحوم حوله، صحيح أنه رجل منطق لكنه السنين الأخيرة شاهدة على أن العالم أوسع وأعجب مما اعتقده.
أخذ المشعوذ سكينا صغيرا وجرح كف الطفل الذي كان مستغرقا في النوم على إثر مخدر، ثم طلب يده. رفع حامض كم قميصه وسمح للرجل أن يصنع جرحا غائرا بكفه الأيسر، وقطرة من دمه في الموقد ثم قطرة من دم الطفل فاشتعلت النيران، فاشتعل رأس حامض حرارة وكأنه النار تلسعه وشعر بشيء يتحرك من داخله ليخرج، فصاح الطفل في صرخة ثم هدأ وهدأت نيران الموقد.
اهتز المشعوذ ونظر إلى الطفل الذي لم يأت بحركة، هزه من قدمه فإذا يجد أنه قد فارق الحياة. صاح الضبع: “ماذا يجري يا حيوان؟”
انخفض الرجل مستعذرا خائفا: “سيدي، أحيانا لا تتفق الطاقات سيدي، فكما قلت يجب أن يكون دمه ودمك متطابقان”
ـ “اخرس!” ونادى على حارسه آمرا: “ارم هذا الكلب في زنزانة وربيه جيدا قبل أن تعدمه”
تمسك المشعوذ بقدمه: “سيدي! والله.. والله عملت الذي أقدر عليه، كما أخبرتكم الدماء يجب أن تتطابق..” سحبه الحارس وهو يصيح: “سيدي! لقد شعرت بخروجه، لقد كاد يفارقك سيدي.. الدماء يجب أن تتطابق سيدي!”
عندما عاد للقصر، استقبلته الخادمة حاملة خبر دخول زوجته المخاض. تجاهلها ودخل المكتب، لقد كاد يتخلص مما كان يغزو جسده، لقد كاد.. ربما لم يفهم تماما ما قاله المشعوذ، فالدماء المتطابقة قد يقصد بها أن يكون من دمه… حار فيما يصنع، أيصدق مشعوذا أم يعيش بقية عمره أسيرا للهلوسات والكوابيس… لا، لن يتوقف هنا.
وقبل الفجر بساعة، حين تشتد الظلمة ويهدأ العالم ليأخذ نفس راحة قبل يوم جديد.. وصل تابعه بطفله في بطانية بيضاء، لم يحمله، لم يطل عليه، وقبل أن يغير رأيه، دخل إلى البناية المنعزلة حيث المشعوذ أعاد إشعال الشموع وإيقاد الموقد. كان يتحرك بحذر وتركيز أكبر فقد رأى الموت بعينيه.
وعندما أخذ السكين، أمسك حامض يده: “ماذا سيحصل للولد؟”
ـ “كما نأمل، أن ينتقل إليه الطفيلي ويستوطن جسده بدلا من جسدك”
ـ “هل سيموت؟” “العمر في يد الله، سيدي، ولكن كما أن الطفيلي لم يقتلك فلن يقتله، وإن شاء الله، إن شاء الله سيفلح العمل”
ـ “عليك أن تفلح، لأني سأمزق أمعاءك وأطعمها للغربان وأنت تتفرج على ذلك” ثم أطلق يده.
مزج دمهما في الموقد لتشتعل النيران وتضيء الغرفة، شعر حامض بدوار وكأن رأسه يكاد أن يقسم، وبدا له بكاء الطفل وكأنه قادم من مكان بعيد وشوشة المشعوذ وكأنها داخل رأسه.. ثم وفجأة شعر بأن جسده خفيف، التفت إلى طفله الذي كان يبكي. أما المشعوذ قال: “كما وعدتك، سيدي، بفضل الله تخلصت من الطفيلي”
صمت حامض للحظة ثم قال: “أعتقد أنك أصبت” وبنظرة واحدة من تابعه، تخلص من المشعوذ بطلقة رصاص.
حمل طفله بين يديه، سيعوضه حين يكبر بكل ما يشتهيه.
*******
6. أبناء الديكتاتور
سورمادا 1992 –1980
مضت السنوات وقوّى حامض قبضته على البلد ذي الهوية الهشة، لم يكن لديه حلول وسطية في قاموسه للتعامل مع شعبه الذي خضع مرغما لفرد ظنوا أنه ذو قدرات متوسطة. أيدت الدول العظمى رئاسته بعدما أثبت أنه سيطر على كرسي رئاسة سورمادا، فقوى علاقاته مع روشيا، وأيد ثوة ييران إسلامية، وعاملته أمريكانا وأشراريل بحذر فقد سلمها الجولان على طبق من ذهب ثم أخذ يهددها تارة ويخفف من نبرته تارة أخرى.
ولكن المنطقة عرفت فيروسا مستطيرا، الحركة الإخوانية. تناسى السواعدة والأمريكان ومصراوة خلافاتهم مع سورمادا، واتفقوا على إيجاد سبيل للإيقاف مد الحركة الإسلامية السياسية. حاول حامض بالسياسة والدبلوماسية حينا، وبالعسكر والزنازين حينا آخر. فهو يسعى لبناء البلد فعمم التعليم وأرسى النظام والأمن بكل مدينة وبلدة، إلا أن المستهزئين به من أطياف الشعب وخصوصا السنة لم يرتدوا وإن ألقى بعسكره عليهم.
عشعشت الشكوك والمخاوف داخل حامض رغم كل ما بيده من قوة، إنه أكثر شخص يفهم ما يفعله الانقلاب العسكري بالرئيس وعائلته، وسورمادا الذي عرفت تسع انقلابات بالقرن العشرين عاشها الضبع ومنه أربع ساهم في صنعها. شغل عقله في هندسة طريقة تضمن ألا ينقلب أحد على نظامه بل ألا يفكر أحد في كلمة ‘انقلاب’. ثم جاءته الحركة الأخوانية ذات العقل السميك بحجة في أنسب توقيت.
خططت جماعة من الحركة الأخوانية لاغتياله في خطاب ذكرى ترسيمه في جرأة فظة ولظنهم بأنه سيترك ثغرة ليقتل كالكلب. أمر أخاه المقرب والذي عينه على رأس أهم الفرق العسكرية بأن يري لكل فرد من شعب سورمادا بل لكل العالم ما سيحصل للذي يتحدى السيد الرئيس هو.
تتبع ما أمر أخاه بصنعه، وإن كان أخاه ذي يد باطشة ساحقة، حصار على محافظة حاما ودكها بنيران المدفعية، إعدامات بالجملة، وتجويع وتشريد. ليعيد تربية الشعب بإعطائهم مثالا يحتذى به. فشعب سورمادا قبل مجزرة حاما شيء وبعد مجزرة حاما شيء آخر. فكل ديكتاتور لابد له من لوحة فنية من الدم والدماء يرضخ فيها الشعب، فالشعوب كالكلاب المتوحشة لابد أن تريها من القوي ومن هو سيدها ثم تروضها وتلجمها، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه من سبقه، الخطأ القاتل.
كان في منزله ببلدة صافيتا الساحلية مع عائلته ترافقهم حراسة مشددة ريثما ينتهي تأديب الشعب ويهدأ. جلب مدرسي أبنائه معهم، لكيلا يتأخروا في دروسهم. قام بجولة عليهم وهم في قاعة التدريس، راقب كل منهم دون أن يلحظوا وجوده، يمنى تركت مدرستها تقوم بواجباتها عنها، بائل يلعب بالنينتدو، ماجن يصارع الحائط ومازن تحت الطاولة يحدث نفسه ثم بعار المنصب على القيام بواجباته بتركيز شديد. كان له رقبة طويلة شاحبة ولون عيني والدته الأزرق، كلما تفرس فيه يسترجع عبارة المزعبراتي: ابن من أبناءك ابنه…
تنحنح فقام كل من مكانه كوقفة عسكري إلا مازن الابن الأصغر، تمعن فيه دون أن ينهره ثم أشاح ببصره عنه، متجاهلا ما يستوطن جسده فأحيانا يفكر في إرساله بعيدا عن ناظره.
وبخ حامض أولاده الكبار فقالت يمنى متحججة: “أبي، إننا فقط مشغولون، فبعض الخدم يتبادلون أحاديث حول أن الحرب قادمة إلينا لهذا هربنا من دمشقيتو”
صاح فيها بائل: “اخرسي، من قال ذلك عليه أن يسجن”
رماهما الأب بنظرته الخالية من العواطف ليخرسا ثم سألهم: “أتعتقدون أننا في حرب؟” وعم الصمت فأكمل: “هذه ليست حربا وإنما تأديب لفرض النظام”
سأل ماجن: “كيف هو تأديب والناس تموت؟”
ـ “من يجيبه منكم؟”
رد بائل: “إن عمي يلقنهم درسا ليتأدبوا”
تمتم بعار بكلام غير مفهوم فله عادة محرجة بوضع يده على فمه حين يتحدث، فصاح الأب في وجهه: “ارفع صوتك يا ولد!”
فقال متلعثما: “إنها ضرورة لإنقاذ البلاد وإيقاف العابثين الممولين من الخارج”
قال بائل: “إنك تكرر كالببغاء كلام الإعلام”
فقال الأب بنبرة معلم: “الناس يعوضون بمزيد من الناس، وعندما تحكم فلابد أن تضحي بالبعض لتنقذ الكل”
تعرض نظامه للمقاطعة من عديد من الدول، اليوم سيعاتبونه وغدا سيشكرونه وبعد الغد سيلتمسون طريقته. كان حامض يقوم بالأمور بطريقته وحين يتعامل مع سفراء البلدان الأخرى يوافقهم ثم يسحبهم إلى ملعبه، فأشاع الفوضى ببيروتي باستخدام جماعات ثم اغتال الرئيس الذي لم يوافق سياسته وتغلغل إلى صفوف جيش اللابنوني واحتلال أجزاء من لابنون. أما بفلستينا فاستقبل اللاجئين الفلستيناويين وسهل عليهم كل شيء أما القادة العسكريون منهم فكان يشد الخناق عليهم ويزج بالسجن كل من يراه خطرا على الوضع العام، وانفصل عن النظام الحاكم للعراقة للتعنت رئيسها واستفاد بذلك ببعض العلاقات مع أمريكانا ()، وكلما مضت السنوات أصبح للضبع دور إقليمي كبير فضلا على رئاسته البلد.
في كل مرة يلقي الخطاب السنوي للشعب، يذكر بأنه ابن الفلاح الذي أخذ على عاتقه تطوير البلاد، وعندما شب أولاده، ضمهم للسلك العسكري ليرسخ صورة العائلة الحاكمة في ذهن الشعب، وقد أضحى ابنه البكر بائل شابا يقف خلفه في عدة صور رسمية ليجهزه ويجهز الجميع أنه وريث رئاسته.
كان ابنه بائل شديدا مثله وله حضور وذكاء لماح، ما اختلف فيه هو طول قامته مما زاد من اتساع ابتسامة أبيه. وكلما اتجه المؤشر إلى الابن التالي نقصت العقل أو الهيبة، فماجن كان بليدا وتنقصه الرجاحة أما بعار فرخو يعتمد على أمه، أما الابن الأخير فذاك كان خطأ فادحا.
عندما أضحى مازن، الابن الأصغر، مراهقا أدمن على المخدرات، وطول سنوات دراسته لاحظ المدرسون عدم تركيزه وانفعالاته، لكن الضربة القاصمة عندما أتاه تابعه بفعلته الأخيرة، سأل حامض بهدوء: “أنت متأكد؟”
ـ “إيه، لقد قمنا بتحذير أهل الفتاة بألا يقولوا شيئا”
ـ “ومن هم؟”
ـ “عائلة سنية من خارج السور، سيدي” أي أنهم عائلة متوسطة الحال من دمشقيتو، اشتعل حامض غضبا وتخيل انتشار الخبر؛ ابن الرئيس اغتصب فتاة من عامة الشعب. في سورمادا قد يتسامح الناس مع القتل والتعذيب وسرقة المال والأرض… ولكنهم لا يتسامحون مع بالتعدي على العرض أبدا.
أمر بقتل الفتاة وعائلتها والتخطيط للأمر ليبدو كحادث عارض. عاد المزعبراتي بعد سرحانه بأرجاء العالم ليجد أن لعبته وصلت لقمة طموحاتها ولم يكفي ذلك جشعها، فقد استدعى حامض زوجته كأنه يتحدث مع تابع له: “وكما ترين، ذلك سيكون أفضل له”
فردت كفيها: “أنت تتحدث عن حبس ابنك في قبو”
ـ “إنه ليس قبوا، إن مكان حيث يتوفر له كل ما يحتاجه كهذا سيبتعد عن المشاكل والمخدرات”
ـ “أدخله إعادة تأهيل إذن، وجدت عيادة متطورة في أمريكانا..”
قاطعها: “أجننت أنت؟ ماذا سيقول العالم عني؟”
ـ “ما الأهم؟ كلام الناس أم ابنك؟”
ـ “اخرسي، قراري نهائي. وليكن بمعلومك يا ستي أن هذا كله بسبب تربيتك” ما أثار انتباه الأبيض هو أن حامض مؤمن بأن الخطأ خطأ زوجته متناسيا ما صنعه قبل عشرين سنة.
*******
7. ذهب أقدم كنيس يهودي
سورمادا 2000 –1993
مر المزعبراتي على الفيلا الصيفية لحامض الضبع، فكلما رغب ببعض الإثارة يقوم بزيارة دميته كل بضع سنين، لمشاهدة إلى أين وصلت المسرحية. كان الرئيس جالسا في غرفة المعيشة يطالع التقارير كهواية على كرسيه المنجد المريح، وقد وضع نظارات تساعده عينيه اللتين شاختا قبل أوانهما، بينما كانت زوجته أنيسة تتسلى بكتاب على الأريكة ذات الطراز الفكتوري.
قالت وهي تعلم الصفحة بأصابعها الممشوقة: “بعار يرغب بالحديث معك”
ـ “هل وقع في مشكلة؟”
ـ “لا، أبدا. أنت تعرفه، إنه ولد مطيع” أجل، إنه يعرفه.
لقد كان الوحيد بين أخوته الذي لم يسبب مشكلة يوما، مطيع وخنوع عكس أبنائه الآخرين. فبائل كان ذو شخصية قوية وحضور قوي، وبما أنه بكره، فقد خُصص له وقت كبير على الشاشة الوطنية واللوحات الإعلانية والصور في كل مكان، لعرض إنجازاته ليحترمه الشعب كقائد مهاب، بيد أنه يبالغ في تشليح رجال الأعمال مقابل ‘هدايا’ وامتيازات مما جعل بعض أصحاب رؤوس الأموال يتوسلون لحامض ليساعدهم. وإن يكن، فالجشع صفة مرغوبة ليظل المرء على كرسي السلطة. بعد أمد طويل، سيرثه، أجل، بعد أمد طويل، فلازال لدى الضبع الكثير.
يجلس الابن الأكبر عند الساعد الأيمن لوالده عند مائدة الطعام، وبالمكتب، في مناسبات لاستقبال شخصيات دولية وفي استعراضات الجيش فشعر المزعبراتي بالإثارة مفرطة، فالولد واضح أن لديه طالع سارق وليس مستقبل حاكِم، وإن كان الأمر سواء في معظم بلدان العالم.
أما الثاني ماجن، فقد كان عسكريا موهوبا لكنه لا يملك ذرة ذكاء أو دبلوماسية ولا حسا سياسيا، لذا يمكن لأي أحد أن يقوده كيفما يشاء، لذلك سيكون ذراعا عسكرية لأخيه بائل. وتناسى الابن الأصغر مازن الذي عزله عن العالم.
تنهدت أنيسة وقالت: “لقد أبدى لي بعار رغبته بالعودة، وممارسة عمل داخل الحزب أو في الجيش كبقية إخوته”
ـ “الدراسة أفيد له” وعاد للتركيز على التقارير. لم يوكل لبعار أي منصب سواء مدني أو عسكري. واقترح عليه أن يكمل دراسته فاختار الطب من بين كل المجالات، إن بعار لا يشبهه، إنه يشبه طلاح في كل شيء، لا إنه ابنه، ابنه هو! إذا اعترف فستكون هزيمة نكراء في صفحته، وحامض لا يهزم أبدا، وقرر أن يبعده نهائيا بإرساله إلى المملكة الفيكتورية.
دخل بائل وقبل يد والده ورأس والدته، جلس بابتسامة مستبشرة فسألت أنيسة: “هل حدث شيء ما؟”
توجه بالحديث إلى والده: “أبي، جئتك بأمر سيقلب الدنيا”
هز حامض رأسه متفاجئا وانطلقت ضربات قلبه، ما هذا الحدس المشؤوم الذي راوده بغتة؟ سألت الأم: “إن شاء الله خير، أي أمر هذا؟”
قال بائل ناظرا لوالده: “أبي، فقط سايرني، ما نملكه الآن من ثروة كوم، وما سنحصِّله بعد هذا المشروع كوم ثاني”
أزال الضبع نظاراته قائلا: “ما هذا المشروع؟ عقارات، سلاح أم يتعلق بالسجون؟”
ـ “إنه كنز، كنز يفوق الخيال”
أعاد نظارته قائلا لزوجته: “هذا سببه تربيتك” لازال أمام ابنه الكثير ليتعلمه، وليكن.. فحامض في أوج عطائه وأمامه عقود من الحكم وتعديل تربية أولاده.
أصر بائل قائلا بنبرة العسكر: “سيادة الرئيس، أرجو منك أن تمهلني بعضا من وقتك الثمين”
جمع حامض يديه على ركبتيه وأعطى انتباهه لابنه الذي فسر: “قبل أسبوع، اكتشفت المخابرات أن عائلة من حي خوبر تبيع ذهبا قديما، وبعد التحريات اتضح أن أحد أفراد العائلة كان يحفر تحت الأرض من أجل توسيع بنائه، فعثر على نفق يؤدي إلى دهليز يحتوي على الذهب”
ـ “وهل تمت المصادرة؟”
ـ “طبعا، وكل أفراد العائلة رهن الاعتقال الآن. أمرت العسكر أن يحوطوا الحي حيث يقع النفق حوالي مساحة أربع بنايات، ولكن بدا لي أن المكان يخفي سرا أكبر، فأقمت بعض الاتصالات فراسلني عالم آثار كبير، والذي بحوزته وثائق ودلائل على أن هذا النفق ما هو إلا بداية يؤدي إلى سرداب من عدة حُجر، وقلبه يقع خمن أين؟”
فأدرك مسرعا: “الكنيس.. كنيس خوبر” كان أقدم كنيس يهودي في العالم وموقعا مقدسا للأديان الإبراهيمية الثلاث معا،
ـ “تماما، السرداب مليء بكنوز اليهود الأوائل التي أخفوها في زمن قبل الميلاد. عالم الآثار يخمن بأن الكنز قد يساوي على أقل تقدير، أكثر من تريليون دولار”
شهقت الأم وارتمى الكتاب من يدها، دقق الأب في كلام ابنه ثم قال: “عالم الآثار، أنت من تواصلت معه؟”
ـ “أجل، فقد تتبعته لأنه اشترى قطعة ذهبية من العائلة بثمن غال أكثر مما تستحق وهذا أثار شكوكي”
ـ “وهل بحثت في خلفيته؟”
ـ “بالتأكيد، إنه عالم له أبحاث موثوقة كما أنه تاجر تحف في الخفاء، يدعى مايكل لوكاس، يحمل الجنسيتين الفكتورية والأمريكانية”
ـ “دعني أفكر.. أما الآن طوق المكان وأغلق الأفواه”
ـ “مفهوم”
درس حامض الأمر بروية وحدسه ينبئه بأن هناك شيء مريب، ولكن بنفس الوقت، إنها ثروة هائلة. تهكم المزعبراتي من طمع حامض الذي امتلك بلدا وثرواته تحت تصرفه، ولازال يريد المزيد، وإن يكن، فهذه طينة معظم البشر. وبعد تفكير، قرر حامض أن يبحث في الأمر بنفسه، وعندما وصل عالم الآثار إلى سورمادا، استدعاه في لقاء سري بمكتب بغرب دمشقيتو.
كان الرجل ذي سحنة تفيض بهاء، ملامحه الطبيعية شديدة الاتساق، قامته ونحافته وعرض كتفيه كل شيء معتدل فيه. شعر أسود غزير ولحية خفيفة مشذبة، يرتدي بذلة سوداء أنيقة. لكن حامض لا يهتم بالمظاهر، بل وثق في المعلومات التي جمعها والتي تؤكد كلام ابنه. جاب المزعبراتي في فضول حول الضيف الذي يرن كل ما حوله بتموج طاقي نافر، ما أن اقترب من هالته الغريبة حتى ارتفع بصر الرجل ناحية المزعبراتي.
سرت قشعريرة من الرعب الخام في أطراف المزعبراتي، وارتعشت سيالات طاقته الطيفية فهب يفر بجلده محلقا إلى أقاصي الأرض في غمضة عين ولم يتوقف إلا بعدما أصبح فوق هضبة التبت.. ذاك.. ذاك.. إنه أخنوخ أعظم كهنة السماويين!
*******
8. ثروة وثورة الابن
– “مصاري وذهب بالهبل” قال بائل وهو يرشد أباه نحو السرداب عبر نفق بدائي أضيء بمصابيح الفلور المعلقة.. في لحظة عادت إلى حامض ومضة من ذكرى دخوله إلى القاعدة تحت طبريا، ولكن ما أن تجاوز فتحة عبر بلاط قديم مهدم حتى فهم أنه على ضفاف حقبة جديدة من حياته. آلاف التماثيل الذهبية من كل الأحجام والوثائق الأثرية من الحقب الغابرة وأطنان من الذهب، كل هذا كان تحت أنفه، في قلب دمشقيتو، ولم يعرف.. أخفى حامض انبهاره وإن اتسعت عيناه وراح يعد المكاسب الممكنة. كان الكنيس يجلب كثيرا من الزوار اليهود لاحتوائه على نص التوراة الأقدم في العالم وغيرها من آثار مهترئة والهيكل الخشبي والتماثيل الحجرية التي تسعى أشراريل جاهدة للحصول عليها، دون أن يكون لديها أو لدى أي كائن في العالم فكرة عن الكنز المدفون أسفله، فما يوجد على السطح إلا زبالة…
المال سيغني أرصدته وأرصدة أولاده، الآثار سترفع من شأن سورمادا التي بناها وسيسجل في التاريخ أنه أفضل رجل حكم دمشقيتو، أفضل من كل السلاطين والأباطرة الذين مروا عليها، أما الذهب.. الذهب سيجعله يحكم العالم.
طوق كل ما حول الكنيس في مساحة خمسمئة متر مربع، فأقفل المسجد القريب وأخليت البنايات التي تحيط بالمكان وسيجت المقبرة على الطرف الآخر. لم يفهم سكان الحي ما يحدث ولكنهم لزموا الصمت وابتعدوا خوفا من بطش ضباط الأمن، أما العائلة التي عثرت على الكنز فتم تهديدهم وشراء صمتهم؛ فقتلهم قد يثير انتباها غير مرغوب فيه.
أوكل حامض لابنه بائل الإشراف على تهريب التماثيل وبيعها والذي جعله فخورا، فقد أبدى قوة ملاحظة ومبادرة تليق بوريثه. أعطى للعالم مايكل لوكاس إقامة في سورمادا بحجة تنقيب على الآثار في جنوب دمشقيتو واتفق مع الرجل ليوثق كل قطعة ويتأكد من تاريخها الأصلي، ليستطيع الاستفادة منها إما ببيعها أو التفاوض بها.
وبعد بضعة أسابيع، وصله تقرير حول حفلة ماجنة أقامها ابنه بائل، فاستدعاه ليوبخه. دخل الابن ولازالت آثار السكر واضحة عليه، وقبل الكلام صفعه فترنح الشاب ممسكا بطاولة المكتب.
قال حامض وهو يكز أسنانه: “في المرة القادمة، سأحبسك لمدة كافية لتستعيد صوابك يا ابن أنيسة”
أخذ الولد نفسا وأطلق نخرة ورد: “هذا هو حلك لكل شيء، احبس واضرب.. أبي، أنا لم أفعل شيئا خاطئا، الواحد يعني ألا يستطيع أن يرفه عن نفسه مثل العالم والناس”
ارتعشت سبابة حامض: “أنت مو مثل العالم والناس يا حيوان! هاي آخر مرة تعيدها، مفهوم!” وطرده بتلويحة من يده في غضب، ففي الآونة الأخيرة، أصبح بائل يعاقر الشراب أكثر مما يجب ويرافق بنات الهوى، وظهر لحامض أنه قد أطلق العنان كثيرا لولده الذي انسكبت شلالات من المصاري بين يديه، فقيَّد أرصدته ليعلمه درسا.
كان منشغلا في اتصال مع الرئيس اللابنوني،() عندما وصلته رسالة من عالم الآثار يطلب حديثا خاصا معه، سأل سكرتيره: “ما هذا؟ أيعتقد الرجل أني خليله؟”
ـ “سيدي، وفقا لكلامه، فقد طلب منه حضرة السيد بائل، ابنك، كل أبحاثه، يعني هدده بصريح العبارة”
أخذ حامض نفسا ينم عن نفاذ صبره وقال: “احموا العالِم مهما يحدث، واستدعي بائل حالا”
المفاجأة أن بائل لم يلبي استدعاء الرئيس مما جعل الدم يتصاعد لرأسه، فأرسل ضباطا إلى منزله ليحضروه بالقوة وبعد ساعة، أعلمه كبير حرسه بمواجهة بالسلاح بين الضباط الذي أرسلهم والحرس عند مشارف مسكن بائل.
سأل العميد: “سيدي، ما الأمر التالي؟”
اشتدت قبضة حامض على مسند الكرسي ثم قال بهدوء: “أخبر الضباط بأن يتراجعوا في الوقت الحالي..” لم يكن يرغب بأن ينتشر خبر أو حتى كلمة حول خلافه مع ابنه الأكبر وخصوصا بين جنرالات الجيش مما سيقوض من هيبته. إنه ابنه، وسيعلمه درسا على طريقته، فهو كغيره تحت المراقبة الدائمة ولديه نقطة ضعف لم يستسغها حامض، وكان واجبا عليه التخلص منها. فرأى أنه الوقت لضرب عصفورين بحجر واحد.
أمر رئيس المخابرات بإحضار سهام عسيلية من لابنون، وهي شابة إعلامية على علاقة بابنه، ووفقا للتقريرات، فبين الاثنان علاقة حب. وكما توقع، أتى إليه ابنه صاغرا، مما زاد من حنقه وسقط من عينه، من أجل امرأة، يخفض رأسه لغيره.
نهض فنهض الابن أيضا من كرسيه، قال له: “دعني أذكرك، أنا رئيسك قبل أن أكون أباك، إذا أردت هذا الكرسي، فأثبت لي أنك على قدر المسؤولية بدلا تضييع الوقت والمصاري على تلبية رغباتك الشهوانية أيها..” وأضاف بحنق: “وكملتها وجملتها أنك أتيت تطلب العفو من أجل امرأة.. أخبرني.. من سيحترمك؟ من يهابك؟” وصمت لفترة قصيرة وأضاف بهدوء أكبر: “سأعطيك فرصة ثانية، فإذا كنت حقا ترغب بهذا الكرسي، فيجب أن يكون قلبك من حجر وتنفذ ما أمليه عليك. أولا، اقطع علاقتك بتلك المرأة، ثانيا، ستعود للعيش في القصر الرئاسي، أما ملف خوبر فستسلمه لأخيك ماجن”
ـ “لكن خوبر من صنيعي..”
ـ “اخرس، ولا كلمة..”
تعلم ابنه الدرس وقبل شروط والده، أما ثروات خوبر فقد جلبت مليارات الدولارات لأرصدة الضبع، ولم يبع سوى جزء يسير منها، أما البقية فتم نقله إلى مخابئ في أنحاء دمشقيتو. أرسل عالم الآثار طلبا لمقابلته للمرة الثالثة معللا بأن لديه أمرا عاجلا. فقابله لدقائق بين جدوله الممتلئ.
سأل المترجم: “نعم سيد مايكل، ماذا لديك؟”
رد الرجل بابتسامة هادئة: “أعلم، أن حضرة سيادتكم مشغولون كثيرا وأشكركم على..” فأشار حامض لكي يسرع، حافظ الرجل على طلاقته كما أنه كان دائما يتحدث بأريحية غير مبال أنه في حضرة رئيس دولة. أعلمه بأنه بحاجة لمزيد من التمويل لعثوره على بوابة طاقية.
سأل حامض: “ما المقصود ببوابة طاقية؟”
ـ “إذا سمحت سيدي، هذا يحتاج إلى وقت للشرح، فهل يمكنني الجلوس؟”
رد المترجم: “الرئيس مشغول فاختصر”
رد العالم واقفا: “سيادة الرئيس، في أرشفة التاريخ ما قبل العصر البابلية، كان هناك من يستطيع التواصل مع العوالم الأخرى، وكان هذا الاتصال يتم عبر.. تستطيع أن تقول.. فجوات عبر الزمن والأبعاد تسمى بالبوابات”
ترجم مساعده بحيرة، فأي شخص عادي لن يصدق ما يقول الرجل أما حامض سأل: “وماذا تريد؟”
ـ “سيادة الرئيس، أعلم أن هذا غريبا ولكني أعتقد أني وجدت موقع بوابة، لذلك أطلب مزيدا من التمويل والوقت”
فكر قليلا وقال: “لا بأس، سيكون لك ذلك” وأمره بالمغادرة، إذ لم يجد ضيرا في العبث، فإن عثر على قاعدة جوفية أخرى فهو أمر سيزيد من قوته.
حلق المزعبراتي حول القصر الرئاسي بحذر، فهو لا يريد أن يكون في محيط أخنوخ أو أي من السماويين. رأى دميته التي انشغلت ببداية العام الجديد بلعبة جديدة، توسطت أمريكانا لصنع اتفاق سلام تاريخي بين سورمادا وأشراريل، كما فعلت مصراوة قبل عقد من الزمان. وكان ذلك من أهم الدلائل للعالم الذي سلم بدور حامض الضبع رئيس دولة صغيرة له تأثير كبير على الدول العظمى والعلاقات الدولية بعدما جعلهم يرضخون لاعتباره الممثل الأوحد للمنطقة التي تضم لابنون، فلستينا وسورمادا.
فدخل في مفاوضات مع أشراريل مع شرط صعب الحصول وهو انسحاب أشراريل إلى خط ما قبل 67، واستعادة هضبة اليولان، فيكون بذلك من حرر شمال سورمادا وغلب الأشراريليين على طاولة المفاوضات، مع العلم أنه السبب في احتلال الهضبة من الأساس.
وفي أحد الليالي، رأى حلما، وهو الذي لم يحلم منذ سنوات، فقد كان من الأشخاص الذين لا يحلمون إلا نادرا. رأى نفسه داخل نفق مضيء جدا، يمضي من دون أن تكون له رغبة في ذلك وكأن أحدا يدفعه بقوة خفية، فهناك السحلية والأطياف ينتظرون التهامه، فإذا به عند نهاية النفق يجد مكانا كله ذهب، فضحك وقهقه لحد الدموع مرتاحا، ثم ظهر فالديهام من خلفه سحنته الزرقاء وهمس له بلهجة شامية لا تناسبه: ‘عجل.. عجل يا قردي الأزرق. وقتك انتهى.. سيقطع رأسك وتغرق’
استيقظ حامض مرتعبا يتعرق بشدة، فصار أكثر حذرا وشكا في الأيام التالية، راقب جميع المقربين إليه من رئيس حكومته وصولا إلى مدير سكرتاريته المقرب.
ووصله تقرير جعل أوصاله تستنفر غضبا، كشفت استخباراته أن ابنه بائل قام باتصالات سرية بجنرالات في سورمادا وروشيا ويقوي من نفوذه، كما أنه هرَّب كثيرا من القطع من ذهب خوبر من وراء ظهره وجمع أموالا طائلة، وسلح كثيرا من رجاله.
أمر حامض مخدوميه بمتابعة المراقبة، لم يستطع أن يهضم ما يراه أمامه جليا، ابنه، من لحمه ودمه، يخطط للانقلاب عليه وما رآه في منامه سيتحقق. ارتعب المزعبراتي مما يجوب في رأس دميته، وراقب باهتمام ما سيحصل بالأيام القادمة.
*******
9. عقاب سماوي طبريا
جلس حامض وحيدا في مكتبه الرئاسي، ينتظر أن يأتيه الخبر. دخل العميد كلاس ومن خلفه رئيس المخابرات، وعلى مضض أعلماه بموت ابنه في حادث سيارة. أخفض حامض رأسه بين يديه، قال كلاس بعد صمت: “سيدي، عظم الله أجرك، والله ما أدري ماذا أقول؟”
سألهم بنبرة واهية: “كيف مات؟”
رد رئيس المخابرات متلعثما: “التقارير الأولية تقول إنه كان مخمورا”
قاطعه كلاس: “اخرس.. واضح من وراء ذلك، هذا من عمل الصهاينة، أيها الرئيس، إنهم يريدون الضغط عليك بعدما أنزلت رأس كلينطون إلى الأرض الشهر المنصرم، والآن يريدون الضغط عليك من أجل المفاوضات القادمة..”
أخرسه حامض بيده وطلب منهما الخروج ليبقى وحيدا. اتجه إلى المستشفى حيث رقد جثمان ابنه، وجلس هناك ساعات يتأمله، أما المزعبراتي فرأى ما يعتمر في نفس حامض من حسرة وصراع في المشاعر. لقد كان الأب المفجوع بفقدان أعز أبنائه وأقربهم إليه، ولكن هيهات.. هيهات.. فالمشاعر الأبوية لم تكن ندا لحب السلطة والجاه، فحامض من دبر مقتل ابنه العزيز..
تآكلت مشاعر الندم في صراع مع العقل والأولويات، كان أمرا ضروريا لا مناص منه. في الجنازة أخذ حامض صورة ابنه من أحد الشبان متجاهلا ما عليه أن يكون أمام رؤساء وشخصيات كبيرة من مختلف الدول، وقد غمرته الذكريات مرة واحدة؛ كيف حمل طفله لأول مرة بين ذراعيه، كلما كبر أمام عينيه رأى فيه طموحه وأحلامه، رفع صورة ابنه والندامة تعتصر قلبه ووجدانه، هل كان عليه أن يتمادى إلى ذلك الحد فيدفن بيديه الابن الذي قتله بيديه؟
بعد الجنازة مباشرة، اتجه حامض نحو البناء المهجور بالفيلا خاصته غرب دمشقيتو. كان عليه أن يشفي غليله في أحد ما، ولم يجد أفضل من عالم الآثار الذي ساعد بائل في تهريب الآثار دون علمه.
دخل إلى المكتب فوجد العالم معصوب العينين على ركبتيه، مكبل اليدين وقد ربوه جيدا في القبو قبل أن يحضروه ليعدمه بنفسه. جلس حامض على الكرسي وقال للحارس: “أربيتموه كما يجب؟ سيكون لك الشرف لأن أربيك على يدي أيها الأوروبي النجس”
رد العالم بعربية فصيحة: “من السهل أن تغركم حياة الدنيا”
نظر الحراس إلى بعضهم البعض أما حامض فاستغرب ظنا منه ألا يجيد العربية: “آه، إنك زلمة خبيث جدا”
فك الرجل الأصفاد الحديدية بسهولة مما جعل الحراس ينتفضون ويوجهون أسلحتهم ونزع العصابة وأخذت كدماته تختفي بقوة خفية.
نهض حامض منتفضا وهو يدمدم: “م.. م.. ما أنت؟” صاح حامض في حراسه: “م.. ما تنتظرون؟ أقتلوه!!!” انطلقت المسدسات تزمجر، وكأن الرصاص من الهواء وليس من المعدن، فقد تبخر عندما لمس جلده.
رد الكائن بنبرته الهادئة الرخيمة: “فالديهام كان استثناء، قدم الصاحب الجليل تضحية مهولة أدت لفقدان كثير من قواه.. يا حسرتاه..” واشتدت نبرته غلظة: “يا حسرتاه! أن يقتل على يد قرد!!”
مسح الغبار عن بذلته ودنا بخطوات بطيئة باتجاه حامض الذي تسمر في مكانه يقول: “أقسم بالله العظيم، لا أعرف عما تتحدث.. من هذا ف.. فالديهام؟ أرجوكم..” وصاح في حراسه المرتعبين: “أوقفوه!” حاول منهم أن يصوب سلاحه ثم وفي جزء من الثانية سقط جميعهم مغشيا عليهم.
جثا حامض على ركبتيه يتوسل: “بترجاك.. أنا لا ذنب لي.. أنا..”
قال أخنوخ بصوت كنذير من أبواق القيامة: “أتكذب في وجه من رفع شأنك يا ابن آدم؟” ارتجفت فرائص حامض وتفصد جبينه عرقا باردا، يتعرق الموت من إبطيه ويتنفس رائحة قبره إن بقي شيء من جثمانه ليدفن.
انحنى حامض ساجدا يتوسل ويستسمح ليعفو عنه مدمدما بلهجته السواحلية: “والله إني لنادم، والله إني مجرد مخلوق طماع..” وتلمس حذاءه: “سأخدمك، سأفعل أي شيء تأمرني به، سأعبدك.. فعفوك سيدي..”
“إنك قرد سيفعل أي شيء ليبقى على قيد الحياة، ابنك كان أفضل منك قليلا ولكنك أكثر منه شرا.. انظر إليكما، لم يحتج كل منكما إلا لقليل من أعذار واهية. أثبتم أيها البشر على مر العصور حقيقتكم الأولى، حقيقة أنكم مجرد عبيد”
استعاد حامض حسرة قتل ابنه فهوى مجهشا في البكاء، كيف سولت له نفسه ذلك؟
ـ “أتبكي فلذة كبدك؟ أولم تقتله بيديك؟”
هز حامض رأسه: “لقد جعلتني أفعل ذلك، لقد حرمتني ابني”
ـ “بل جشعك ونفسك الأمارة بالسوء”
وجعله يقف على قدميه بحركة خفيفة بكفه البيضاء: “إذا رغبت في موتة هنيئة فأرجع ما سرقته” تلبك حامض غير مستوعب حيث لا يتحكم بجسده الطافي، ثم وفجأة كأن يدا تعصر قلبه: “أعد ما سرقته من فالديهام أيها القرد” رفع حامض ذراعه ببطء محاولا التوسل، ثم لحظات وكأنها دهر تركه يسقط على الأرض، وقال له: “أمامك حتى طلوع الشمس، لتعيد لي ما سرقته”
أماء حامض برأسه عدة مرات ممتنا وهو ينظر إلى الرجل السماوي يمضي فلما اختفى عن نظره، هوى على الأرض يرتجف متبولا على نفسه.
*******
10. لعنة مياه طبريا
أخذ حامض الشتلة الذابلة من خزانة مكتبه الرئاسي وأمر تابعيه بإحضار مازن ابنه الأصغر، سيفسر للرجل السماوي ما حصل داعيا الله من أعماق قلبه أن ينجيه بطش ذلك المخلوق. عاد تابعه مرتبكا وقال: “عفوك، سيادة الرئيس، لم نستطع العثور على ابنك، سيدي”
شعر بالدم يفور في عروق رأسه وصاح: “كيف لم تعثروا عليه؟! اذهب وابحث، اقلب البلد كله، أريد أن يكون أمامي قبل شروق الشمس وإلا سأصفيكم واحدا تلو الآخر!”
مرت الساعات ولم يجد أي من تابعيه أثرا للابن الأصغر. اتجه حامض إلى زوجته أنيسة التي كانت في حجرتها بثياب الحداد. صاح عند دخوله: “أين هو؟! أين مازن؟”
تفاجأت المرأة وردت: “أنت أدرى بمكانه”
ـ “لا يا ستي، ابنك هرب، والوحيد الذي يقدر على مساعدته أنت لا غيرك”
اهتاجت في البكاء وردت: “أنا.. أنا لو أقدر على شيء ما تركته تأخذه مني. أتركت شيئا بيدي يا حامض؟ أنت أخبرني، أين هو ابني؟ يكفيني فقدت واحدا، يكفي والله!”
زاد ارتجافه ثم قال: “اسمعيني، لا تلعبي معي، فوالله إن كنت السبب وراء اختفائه، لأصفيك أنت وأولادك، واحدا تلو الآخر” جاب بالحجرة للحظات غير عارف ما سيصنعه ثم برق شعاع أحمر خفيف، إنه الشروق.
دق تابعه على الباب: “سيدي، هناك اتصال لك على الرقم الخاص”
إنه يعرف كل شيء عنه، حتى رقم هاتفه السري الذي يخص به أقرب الأتباع.. أخذ حامض الهاتف مرتعبا، أتاه الصوت واضحا. واتجه نحو الفيلا السرية يحمل الشتلة وكلمات الرجاء للإبقاء على حياته.
خر على ركبتيه آملا ألا يلاحظ المخلوق السماوي غياب الطفيلي الذي كان عالقا على الشتلة ولكن أمله كان أوهى من بيت العنكبوت، فقد قال السماوي بنبرة أبرد من الموت: “هذا ليس كل شيء”
دفن حامض رأسه بين يديه اللتين على الأرض وغمغم يحكي ما حصل مع تغيير بسيط أن الطفيلي زرع في جسد طفل يتيم ورمي جسده في البحر. قال ذلك بكل صدق، بكل رجاء، ورغم قوة المخلوق السماوي فإنه لا يقرأ الأفكار. زمجر الصوت الداخلي: “أتقول لي أن ما كان على الشتلة في البحر؟”
ـ “اعفو عني! إني مجرد مخلوق جاهل، حمار، قرد، فلا تقتلني، لا تقتلني”
مر لحظات من الصمت العميق ثم نطق السماوي: “هنا، هنا من أرض الخطيئة، هنا، تنبت النفوس الدنيئة… الموت رحمة لك يا حثالة ابني آدم” وجلس على الكرسي المنجد ثم لزم الصمت لمدة طويلة حتى استقرت الشمس وأضاءت المدينة بينما حامض لم يتململ من وضعيته الساجدة.
تحرك السماوي وقال: “قم” فنهض حامض من دون أن يرفع بصره: “سأترك تعيش الآن” ارتخت كل خلية من جسد حامض مرة واحدة حتى كاد يهوى على الأرض. أردف السماوي: “فالديهام أغرق القاعدة ليحميها” وأخذ نفسا: “يجب أن نستردها، مفهوم؟”
ـ “أجل، أجل، يمكنني فعلها؟”
ـ “حقا؟ إنها أرض تحت سيطرة ما يسمى أشراريل”
ـ “سأعيدها، سأفعل أي شيء لأعيدها”
ـ “أيضا سأحتاجك للقيام ببضعة أمور”
ـ “سمعا وطاعة سيد مايكل”
لمحه بنظرة مستحقرة مقززة وحمل الشتلة برفق ومضى.
اتجه حامض إلى جنيف من أجل مفاوضات السلام مع أشراريل في الغد، والتي كان يعتقد أن تاريخها سيؤجل بعد موت ابن الرئيس. مما طرح التساؤلات، منهم من اعتقد أنه رجل حديدي ومن تأكدت شكوكه بأن أمريكانا من قتلت ابن الضبع لتجبره على المفاوضات. وافق الضبع على توقيع اتفاقية سلام مع أشراريل بشرط وحيد انسحاب الجيش الأشراريلي إلى ‘خطوط الرابع من حزيران 67’ واستعادة سيادة السرمد على الأرض.
وافق الأشراريلون والأمريكان على ذلك في نشوة انتصار ولكن نقطة لم تكن في الحسبان دخلت في الحسابات. لازال الضبع يذكر بالتفاصيل حين كانت جزمته العسكرية تغطس في ماء بحيرة طبريا، وكيف ينسى؟ قد كان جنديا يجوب نواحيها ويوم صادف ذلك المزعبراتي الساحر، وأخيرا عندما عثر على قاعدة فالديهام الأمر الذي قلب حياته. كانت أقدام الجنود تبتل بالماء، وهذه الحدود على خرائط المفاوضات ليست عند حد الماء.
فالخطأ الذي لم يحسب الضبع له حسابا أنه حتى لو عاد إلى المكان حيث درج على تغطيس قدميه فلن يتمكن من عمل ذلك، فعلى مر السنين، انخفض مستوى مياه بحيرة طبريا فتراجع خط المياه إلى 400 متر ناحية الجبهة الأشراريلية. حاول وزير الخارجية الأمريكاني أن يشرح هذا الأمر للضبع دون إثارة خيبته، فالأمريكان مستميتين لتوقيع سورمادا اتفاق السلام مع أشراريل، فذلك يعني ترسيخ الكيان الصهيوني ودفن القضية الفلستيناوية.
ما أن تلفظ رئيس أمريكانا كلينطون بالجملة الأولى حتى قاطعه الضبع: “ما المقصود بحدود متفق عليها؟ هل هذا هو ‘خط الرابع من حزيران 67؟'” فصياغة كلام الأمريكان بدت أنها تخفي حيلة، إنهم ملمون بالاختلاف الحاصل على الأرض ويريدون أن يقبل بالأمور كما هي عليه. بسَط مستشار الرئيس الأمريكاني خريطة مفصلة للجولان تستند على صورة جوية من العام 67، خط شاطئ بحيرة طبريا فيها أي خط عام 67، كان شرقي خط العام الحالي.
استدرك كلينطون الكلام: “تبقى في يد أشراريل السيادة على البحيرة وعلى القاطع..”
قاطعه الضبع مرة أخرى بنبرة أشد: “أشراريل لا تريد السلام! لا مجال للاستمرار” وأغلق الخريطة.
طلب كلينطون مواصلة حديثه، سايره الضبع في نفاذ صبر، لابد له من استعادة خط المياه ليفسح مجالا للدخول إلى القاعدة بحرية بل إن القاعدة في جوهرها تعتمد على وصول مياه البحيرة إليها. حينها أدرك أن ما حدث ليس نقمة وإنما نعمة إلهية. فكل ما عليه أن يطيل مفاوضات السلام ليماطل المخلوق السماوي، فوضح له في نبرة عبد خنوع، أن الأمر ليس بيده، وإنما أمر من الله الذي لم ينزل المطر بما فيه الكفاية واستغلال البشر الذين يتكاثرون دون توقف. وتيقن حامض أنه يمكن أن يماطله إلى أن يجد طريقة للتخلص منه، فهو ولابد وأنه يمتلك نقطة ضعف.
بعد موت بائل، أخذ بعض الجنرالات في التململ، إنهم ينتظرون أن يضعف لكي ينقضوا عليه، الجميع يريد أن ينقض عليه حتى أبناؤه وبائل كان خير مثال. فاستدعى بعار، الولد الخنوع ووضعه كوريث له لكي يخرس الجنرالات ويظهر لهم أنه لازال يسيطر على مقاليد الحكم.
أغلق السرداب تحت الكنيس وأعاد الحياة إلى ما كانت عليه في حي خوبر، وأخفى كل الوثائق عنه في خزانته السرية، أما المخلوق السماوي، فرغم قوته كان أيضا تحت مراقبته، فيلقمه ما يرغب في سماعه، فالمهلة التي كانت أشهر أصبحت سنة ثم ثلاث، بتمديد المفاوضات في شأن السلام بين سورمادا وأشراريل إلى ما لانهاية، وبالطبع كان ينفذ أوامر السماوي التي يمكن أن ينجزها دون أن يخاطر بسلطته أو يقلل من طموحاته.
يومها نام وهو يعلم أنه يمكن أن يمدد سلطانه على المنطقة الأوسع لو لعب الأوراق كما يجب، وأشرق الصبح ثم لم يستطع النهوض عن فراشه. عاينه الطبيب ليخبره بأنه في المرحلة الأخيرة من سرطان الدم. استدعى حامض كل طبيب، لن يدع الوقت ينفذ منه، كان يستشعر من جسده الذي ينخر من الداخل نخرا أن الأيام تكاد تغدر به.
جاء المخلوق السماوي في زيارة مفاجئة وقال: “لم تتعلم درسك أيها القرد”
رد حامض مستدعيا نبرة العبد الخنوع: “لا، يا سيدي، إني أخدمك بما أستطيع”
ابتسم السماوي ورد: “لقد مر علي من أمثالك الكثير الكثير يا ابن آدم، أكثر مما تتخيل” ودنا منه وهمس في أذنه: “وإن أغلقت السرداب لا يمكنك إغلاق باب اللعنة التي فتحته بسبب جشعك وشرك، سيتدمر كل ما بنيته، لذلك مت وأنت على يقين من ذلك”
زادت حالة الضبع سوء، مهما حقنوه بمسكنات الألم لم تكن كافية، وتفاقم عليه الحال إلى حد لم يعد يستطيع الكلام أو الحركة. على الأقل، سيظل أقوى قائد في تاريخ سورمادا، والذي هزم طلاح جديد، والذي أعاد بناء دمشقيتو الحديثة. والأهم ترك نظاما لا يمكن كسره بسهولة.
وذات ليلة جلست أنيسة عند رأسه تمسح وجهه بلطف ثم ضمت يده الباردة بين يديها الناعمتين وإن غزتهما التجاعيد. قالت: “آه لو تعلم شدة قلقي من أن تغيب عنا للأبد.. الأولاد لازالوا أولادا.. أعلم أنك لم تكن الزوج الحنون ولا الأب العطوف، لكني صنعت لنا اسما” وضعت يده على قلبها: “أذكر أول يوم رأيتك، ضابط في مكتب والدي، في عينيه الحادتين إمارات الذكاء. أتذكر بما وعدتني، وعدتني بأجمل البيوت وأرقى السهرات، ووفيت… لكنك لم تفي بوعد وحيد، لم تفني بوعد الحب.. كنت غائبا عني وإن كنت حاضرا، كنت لازلت في ريعان الشباب، فتاة لم تعرف الحب في حياتها، لا من أم مغبونة ولا من أب عسكري قاس.. سامحني يا حامض، سامحني يا علي..”
ورنت عبارة المزعبراتي الساحر في ذاكرته بعد غياب طويل: ‘قدر دمائه على كرسي السلطة’ شعر بيدها تضغط بقوة أكبر: “كانت نزوة. نزوة عابرة لليلة واحدة مع طلاح، أكثر شخص كرهته. أما أنا فلم أكرهه، كان أكثر عطفا، رأى ما في داخلي، ولن أنكر أردت أن أؤلمك أيضا، أن أنتقم منك بل فكرت أن أتركك وأخلص منك” أراد أن يتوسل إليها لكيلا تكمل، يرجوها بألا تنطق بالسر. مسحت دموعها وردت بحزم: “أعلم أني خنتك، وهذا ليس من نبل المرأة الشريفة.. ولكن كلما مرت السنين، قل شعوري بالذنب، سامحني إن شئت، وإن لم تشأ فلا بأس عندي.. لأنه كما تعلم.. لم تكن لتكون شيئا من دوني؛ أعطيتك عمري، ثورة عائلتي… منحتك جسدي، أبنائي.. وهبتك طاقتي وكرامتي… يمكن أن تغفر لي هذه الهفوة.. ولكني لن أغفر لك ما فعلته ببائل، هذا ابني أيضا يا مجرم.. ولن أغفر أبدا.. أبدا ما صنعته بمازن، أخذته وأنا لازلت أتألم من وجع المخاض.. وأرجعته لي طفلا معابا” وعادت الدموع تهطل كالمطر وهي تقول: “على الأقل، استطعت ان أحميه من بطشك عكس بائل. وبعار..” كلا، لا تكملي وانتفض دون فائدة: ” اغفر لي أني جعلتك تربي ابنا ليس ابنك.. بعار بالرغم من أنه ليس من صلبك، فإنه تربيتك ويحمل اسمك. لا تقلق، أعلم.. أعلم.. لازال طفلا غير ناضج، سينضج مع الوقت.. إنه مجد ويسعى لنيل رضاك، أنا متيقنة أنه سيسعى لرضاك حتى بعدما تصير عظامك رميما، حقيقة أنه ابنك أم لا، ستموت معنا وللأبد” ثم قبلت جبهته وأغلقت باب الحجرة التي غرقت في الظلام.
