حكاية الصراع بين سليلة الآلهة وألوهيم

مرحبا أيها القارئ في هذا العالم. إنه ليس مختلفا كثيرا عن العالم الذي تعيش فيه، تستطيع القول إنه عالم مواز حيث كل ما أخفي عنا كبشر سينكشف هنا دون قيود ورجائي أن ينكشف في عالمنا أيضا هذا التاريخ غير المكتوب، المحرم علينا… سأرافقك أيها القارئ العزيز في هذه المقدمة الطويلة، لا تنزعج من إسهابي وأفكاري الغريبة، فإنها ليست لي، إنها تلك المعرفة التي دفنت مع تاريخنا المسلوب. ولكن أطلب منك الصبر قليلا ودقائق من وقتك قبل أن ترمي الكتاب جانبا. لكن لا تقلق لن أزعجك بعد المقدمة، فعندها سأرفع القلم لتتسلم شخصيات الرواية السيطرة فهذا عالمها، ليس عالمي وليس عالمك ولكنك مرحب بك لمشاركتها الرحلة، سأنتظرك في النهاية، ليس نهاية الكتاب وإنما عند نهاية العالم، فهذه القصة مختلفة، غريبة وأيضا مثيرة للاهتمام…

سنبدأ الحكاية بنشأة الكون نفسه، نعم، لهذا حذرتك بأنها قصة طويلة… ولكن قبل ذلك، رافقني إلى قلب سطح الأرض. هيا تعال، اقتحم الغلاف الجوي: ها نحن ننزل بين الغيوم، ستتراءى لك قمم جبال يقال لها جبال الأطلس البيضاء، اهبط أكثر إلى أن تصل إلى جحر صغير. أشرقت الشمس فتسللت أشعتها إلى داخله كلص بخطوات خفيفة لا يسمع لها صوت، وأضاءت جثة لكائن صغير الحجم ترقد داخل الحجر. كان ابن مويا، مات وهو يعض على أسنانه وبطنه منتفخ إلى حد.. إلى حد أنه قتله. أكل شيئا ما لم يناسبه، هذا كل ما في الأمر. لفظ أنفاسه الأخيرة بقرب أمه مويا، فقد كان ينام بحضنها دوما، ظلت الجثة طوال الليل وأول الصباح..

ككل الكائنات على الأرض، يموت الكائن طينا لأسباب كثيرة لا يمكن التحكم فيها، وعلى عكس كل الكائنات، أصبح لطينا ذاكرة. امتلأت عينا مويا بصورة طفلها الميت، ورقدت هناك في الذاكرة. مويا ستتذكر أنه كان لها ابن مات أمام عينيها ستتذكر صراعه عند الاحتضار، عذابه وأنينه وهي غير قادرة على عمل شيء، مويا لن تنس.. فقد سلب منها عطف الطبيعة الأكبر الذي أغدق على سائر الكائنات، لقد سلب منها نعمة النسيان.

كانت مويا كباقي أفراد جنس طينا عبيدا للسماويين الذين سيطروا على الأرض. فبعد فقدان طفلها لم تعد مويا نافعة فقد نقصت إنتاجيتها، فأنهوا صلاحية استخدامها. اتجهت بقدميها نحو هوة الاحتراق، لم يكن ذلك بيدها، فبرمجة دماغها تحثها على ذلك. فُتحت الهوة وتلفظت بلهيب النيران الزرقاء، وصل دورها، لم يكن عليها أن تفكر، فقدماها تتوليان المهمة إلا أن في تلك اللحظة.. في تلك الثانية، قبل أن ترمي بقدمها إلى النار المتقدة، غمر عينا مويا شيء ما، كان كالماء المالح، يهطل من تحت جفنيها. جثت على ركبتيها لا ترى سوى نظرة طفلها، النظرة التي علت ملامحه يترجى أن تنقذه أمه من الألم قبل أن يفارق الحياة.

من خلفها واصل العبيد الآخرون، الذين انتهت صلاحيتهم، برمي أنفسهم إلى الهوة. قبل أن تجد لصرخاتهم صدى، تعلو رائحة الشواظ، رائحة اللحم المحروق، فنار السماويين كان سعيرها يتجاوز نيران الأرض، تلتهم جسد طينا كأنه قطعة ورق. تساءلت مويا: لما عليها أن ترمي بنفسها؟ في ظروف طبيعية لم يكن لمويا قدرة على أن تفكر هكذا؛ فهي لم تُصمم لتخطر فكرة كهذه داخل رأسها، لكن خللا بسيطا بالبرمجة لم يؤخذ بالحسبان، خلل بسيط لحد لم يأبه به السماويون الساعين للكمال، ولثقتهم بعملهم المتقن فهم لا يحتاجون حراسا على العبيد طينا، لذا حينما انطلقت مويا سائرة على غير هدى، لم يأبه أحد، لم يتساءل أحد…

ستتساءل من هذا الكائن مويا، ماذا يعني طينا؟ اصبر معي أكثر لأنه الآن سنرجع إلى الوراء بملايين ملايين السنين…

في لحظة ما… قبل أن يكون هناك مفهوم للحظة ذاتها، قبل أن يكون هناك زمن، قبل أن يكون هناك شيء في هذا الفضاء، خلقت الآلهة نفسا واحدا بناموس واحد…

نفس واحد يدور في دورة حلزونية لامتناهية.. ليتحول إلى طاقات لا متناهية.. تتفاعل بينها بقوانين لن تتغير في حركة دون توقف إلى الأبد. تبلورت الطاقات ثم انفتحت كوردة لتشكل هيكل الأكوان، وبداخله انقسمت على شكل أوتار، منها ما تمدد ومنها ما تجعد لتخلق ترددات طاقية لا تعد ولا تحصى فخُلق الزمان. كل شيء يدور فتتضاعف الأوتار بوتيرة هائلة وتتضاعف ثم فجأة تنفجر فينكسر الزمان كما ينكسر الضوء على سطح الزجاج آخذا معه نفس الآلهة لتصنع الأوتار ثمانية أكوان، لكل منها أبعاده وزمانه وتردداته الطاقية، على أثرها سيأتي إلى الوجود مخلوقات بأقدار مختلفة في كل كون:

البيض لم يعرفوا إلا النور، السود لم يعرفوا إلا الظلام. العمالقة رؤوسهم نحو النجوم والصغار أنوفهم أقرب إلى الثخوم، الناريون تميزوا بكونهم الحار والسماويون في كون تغمره المياه، الزحافيون يتحركون في الخفاء والأرضيون في كنف الطبيعة يحيون. وهكذا تنوعت المخلوقات ليعم توازن الأكوان.

كان البعد السماوي من أجمل الأكوان وأغناها، على تردد طاقته الملائكي نشأ نوع من المخلوقات شديدة الهيبة والجمال. امتازت بإدراك واسع دفعها للبحث عن المكان الذي تسبح فيه الآلهة، واحد منهم، كان له اسم آنذاك، اسم لازال يكتبه الملايين منا حول العالم ولكن لا أحد يعرف كيف ينطقه وما مصدره.

تعمق هذا السماوي في حب الآلهة، وفي بحثه عنها نهل الكل من معرفة الأكوان في شغف. وبحبه الكبير طمع في الاتصال بالآلهة بنفسه فيكون السبَّاق لنيل بركتها. بحث وبحث… فناداها بكل السبل التي أتيحت له لكنها لم تجب أيا من نداءاته. لم يعجبه ذلك، وتراكم في داخله شعور بالضيم والخذلان ثم قرر الصعود لأعالي السماوات فلم يجد أحدا، صعد وصعد ولم يجد شيئا… مهما صعد، مهما بحث، مهما نادى فالآلهة لا تبالي، ثم نظر إلى العوالم أسفله وتجلى له أمر لا شك فيه: لا شيء يعلوه، إنه أقوى وأبهى من كل ما يوجد تحته، فعين نفسه إلها وبنى له عرشا ورسّم نفسه بالإله الأوحد للأكوان كلها. يدعوه البعض ألوهيم أو إله النور وظل اسمه حكرا على من يستحق معرفته.

كان أول سماوي بل أول مخلوق في الأكوان كلها يملك عرشا وملكا ومعرفة مطلقة. انبهر السماويون بقدرته فبجلوه ثم عبدوه بصفته الإله. ووفقا لحكمته سن شريعة وقوانين أقوى وأشد من قوانين الآلهة الأولى، فكوْن السماويين كان أغنى الأبعاد بالطاقات والخيرات. وهكذا ارتدوا عن ناموس الآلهة، وطوروا من أنفسهم للسيطرة على كل الأكوان، واحدا تلوا الآخر بقواهم وتقنياتهم التي لا حصر لها، وبدأت على إثر ذلك الحرب الكونية الأولى. ما لم يعرفه السماويون ولا ألوهيم نفسه الذي سمى نفسه بالعليم البصير، أن ناموس الآلهة لم ولن يتغير. صحيح أنها لم ولن تتدخل في حياة مخلوق إلا أن القوانين الأولى لا يمكن لأحد أن يتجاوزها.

وفي سعيهم للسيطرة والكمال، خلق السماويون اختلالا في التوازن بين الأكوان الثمانية. وبدلا أن يتوب ألوهيم، أوحى بأمر إلهي ألا وهو السيطرة على هيكل الأكوان نفسه. كانت حكمته لا تناقش، وإن كان من السماويين من هم في ريب، فلا أحد من مخلوقات الآلهة يحق له دخول الهيكل. إلا أن ألوهيم أثبت لهم المحال وأنه فوق ناموس الآلهة.

في هيكل الأكوان، تلك البقعة الخالية الجرداء، الممتلئة الخضراء، نبتت شجرة، شجرة تصل السماء بالأرض من ضخامتها. ظن ألوهيم أنه الأول والأوحد في هذه البقعة الأغرب في الأكوان كلها إلى أن رفع بصره إلى قلب الأغصان ورأى الحقيقة…

هناك أبصر سليلة الآلهة، كان لها من النور والظلام، النار والماء، العالي والسافل، القاصي والداني فتجل فيها المتناقضان. تشربت كل نفس الآلهة لأن روحها خلقت بهيكل الأكوان فكانت الوحيدة من صنفها وعلقت هناك من دون مكان ومن دون زمان. وبناموس الآلهة قد أرستها حارسا للهيكل فهبتها سر قانونها الأول ليستمر الزمان في توازن بسلم وأمان.

دفعت طاقة رهيبة بألوهيم طاردة إياه من هيكل الأكوان إلى أقصى أقصى ما يمكن لمخلوق أن يصله…

بعد آلاف آلاف السنين هبط ألوهيم على السماويين من جديد، الذين اعتقدوا أنه قضى نحبه على يد سليلة الآلهة. أقسم باسمه لأن يفرد جناحيه على هيكل الأكوان. وفي مسعاه، استنزف السماويون الكثير من مواردهم وأهمها المياه، فتدهورت طاقات كونهم لحد لم يعد يحتمل عدد السماويين الهائل وتقنياتهم وأيضا.. جشعهم.

بأحد الأكوان الثمانية، عثر أرشد حكماء السماويين على كوكب أزرق غني بأهم مورد يغذيهم: ‘الماء’ وسموه كوكب الأرض. لم يكن على سطح الأرض مخلوقات مدركة. أغلبها كائنات ذات هيئات لزجة منها ما تجري بعروقها ‘مياه حمراء’، لا تشترك في شيء مع السماويين إلا في عدم قدرتها على العيش من دون مياه مثلهم.

انهمك ملوك السماويين بجعل سطح الأرض مكانا يليق بهم. وبوحي من ألوهيم، أُمروا بصنع الهيكل هناك، فألوهيم خدع نفسه قبل الآخرين، بأن ما صنعه على الأرض هو الهيكل الحقيقي أما الآخر إلا تمثيل مراوغ من وحي كائن شرير يسعى لإبعادهم عن رحمة إلههم الأوحد: سيد النور ألوهيم. استعبد السماويين مخلوقات الأكوان الضعيفة وأصبحوا أسيادها، وعندها خُلقت العبودية.

على الأرض، أوجد السماويون خدما لهم مناسبين للبعد الأرضي بالطاقة، مخلوقات بذاكرة وقدرة حركية تخدم أهدافهم. وقع الاختيار على فصيل من نوع الإنسانيات أشبه بالقرد يمشي منتصبا. وعدّلوا في جينات هذا الصنف بإضافة ‘جين’ من صنفهم السماوي، تمت برمجتهم على الخدمة والطاعة، بزرع فيروس في دماغ الصنف المختار ليظل تحت سيطرتهم المطلقة وألا يستشعر من نفس الآلهة كباقي المخلوقات. أصبح هذا الكائن بفضل البرمجة ذاكرة، وأسموا هذا الصنف من الإنسان “طينا”.

كان طينا قبل مجيء السماويين، يعيش كغيره من مخلوقات الأرض: صنف من الثدييات يعيش في جماعات صغيرة، يقتاتون على ما يجدونه في الأرض، يتكاثرون ويموتون وفق دورة الطبيعة. لا يقلقون من المستقبل، لا يبالون بالماضي، يعيشون اللحظة كأي كائن أرضي، ببساطة لم يكونوا عبيدا للوقت وإنما منسجمين مع تردد الزمن الذي يحرك كونهم. لم يكن طينا سوى كائن ضئيل في هذا الفضاء اللامتناهي ومويا واحدة من ملايين أفراد طينا المستعبَدين. مويا التي لن تنس طفلها، مويا التي ذرفت ماء مالحا من محجري عينيها…

ألا زالت معي أيها القارئ؟ أعتقد أنك تهت في مسار خيالي متشعب من الحيوات والأسماء؟ لا بأس إن كنت قد رميت بالكتاب جانبا من كثرة اللغط، فمن الصعب بناء عالم جديد بخط تاريخي جديد، إلا أنه… ليس كله مُختلقا تماما…

قطعت مويا مسافات طويلة، لأقمار عديدة شقت طريقها نحو الشرق دون أن تدري ما هو الشرق إلى أن وجدت نفسها بصحراء من دون طعام ولا شراب. سقطت تلك القردة البشرية في أنفاسها الأخيرة فوق تلة صحراوية تحت ضوء بدر مكتمل. كما يهبط ضوءه خفي ناعم لا يحدِث صدى إلا نورا مخمليا بأثر الظلال في قلب صحراء قاحلة، نزلت سليلة الآلهة لتتمثل أمام عيني مويا.

كانت السليلة تراقب في صمت كما تفعل دوما. كانت تملك المعرفة المطلقة التي وهبتها الآلهة، تعلم كل شيء، فكانت تعلم قدر ألوهيم، وقدر هذه المخلوقة الضعيفة المحتوم، المرمية بين رمال الصحراء الباردة. إلا أنها لم تعلم ما قدرها هي. فكانت تسأل الآلهة دوما عن قدرها، عن سبب وجودها دون جواب. الآلهة خلقت الأكوان بناموس لا يتغير ثم لم تتدخل ولن تتدخل إلى أن يندثر الزمان من جديد، تاركة المخلوقات تصارع أقدارها ومهما صنعت المخلوقات فلا يمكنها تغيير النواميس الأولى…

خالفت سليلة الآلهة منذ خلق الزمان ما كان عليها أن تفعل: ألا تترك هيكل الأكوان. وعكس ألوهيم فهي كانت تدري عاقبة ما تصنع، ومدت لمويا ثمرة ستنقذها من الموت، ‘فها أنا أنت، وها أنت أنا، عشتار’، قالت، ثم اختفت…

كم أود أن أكمل ما حدث قبل التاريخ المكتوب، إلا أني سأترك حكاية صراع سليلة الآلهة وألوهيم إلى أن ترويها الشخصيات والأحداث، إنه صراع سيمتد لآلاف السنين ولازال قائما مهما اختلفت العصور. أما الآن فاصبر أكثر قليلا لأننا سنعود إلى الحاضر، تحديدا بعد سبع وعشرين ألف وسبعمئة وسبعين سنة أي قبل أن تكمل الأرض مبادرتها المحورية بثلاث سنوات تقريبا.