رجم الهري: ما وراء السردية العبرية

رجم الهري لغز أثري بقلب الجولان السوري المحتل. تحب المواقع السياحية أن تصفه بأنه نسخة شرق أوسطية باهتة من ستونهنج. إلا أنه إنّه شيء أكبر من ذلك: بقايا نظام إدراكي كامل؛ صمم لتعيش تجربة طاقية فريدة وتختبر روحانية في لغر تركه الأولون لنا دون حل. للأسف، في معظم المقالات يختزل عادة في وظيفة واحدة: مرصد فلكي، أو معبد، أو مقبرة.. وما هي إلا محاولات حديثة لإخضاع الماضي لمنطقنا المعاصر المحدود.

فرجم الهري آثار تقدم نفسها وليس مجرد نقوش أو طين. لا نملك دليل استعمال ولا أدلة مادية تقودنا. وللوصول إلى حقيقته عليك أن تغرق في صمت حجارته التي ترن بلغة من الزمن السحيق.

رجم الهري_لعنة طبريا
رجم الهري_لعنة طبريا

مختصر مفيد حول وصف الموقع وتاريخه

يقع رجم الهري (رُجم الهيري) في هضبة الجولان (جنوب سوريا المحتل)، على بُعد حوالي 16 كم شرق الشاطئ الشمالي لبحيرة طبريا. ويعرف بالعبرية باسم: جلجال رفائيم والتي تعني عجلة الأرواح أو عجلة العمالقة.

الوصف البنيوي – الشكل والتكوين

  • الارتفاع عن سطح البحر حوالي 515 مترًا.
  • يمكن رؤية هيكله بالكامل فقط من الجو أو من ارتفاع عالٍ لأنه واسع وممتد.
  • يتكون من دوائر حجرية متحدة المركز (أكثر من 4–5 دوائر) من أحجار البازلت البركانية.
  • القطر الخارجي حوالي 156 مترًا، والدوائر تتناقص في الداخل.
  • توجد تلّة حجرية مركزية ترتفع أحياناً لحوالي 2–5 أمتار في المنتصف.
  • الوزن الإجمالي لأحجاره يُقدّر بما يقارب  40–50 ألف طن من الصخور.
  • لا يمكن رؤية كامل الدوائر بوضوح من الأرض بل من منظر جوي أو مرتفع شديد

العمر والتاريخ

  • يُعتقد أن الموقع من العصر البرونزي المبكر، أي حوالي  3000–3250 قبل الميلاد.
  • قد يكون عمره حوالي  5 آلاف سنة تقريبًا، ما يجعله من بين أقدم الهياكل megalithic في الشرق الأدنى.

ليس ستونهنج… بل نقيضه

الجدول التالي يلخص أهم الاختلافات بين المعلمين:

ستونهنجرجم الهري
عموديأفقي
بصريحركي
مركزيحلقي
دقيقمرن
نخبة كهنوتيةجماعي

هذا يعكس اختلافًا جذريًا في:

  • تصور الزمن
  • علاقة الإنسان بالمقدس
  • مفهوم المركز والسلطة

ما خلف شكل دوائر رجم الهري المتداخلة

من الأعلى، يظهر رجم الهري كدوائر حجرية متراكزة. هندسة حلقية، بلا بداية ولا نهاية. لكن من مستوى الأرض، حيث سار البشر عبرها في الألفيات السابقة، يختفي الشكل ويحل محله ‘المسار’. فهندسة رجم الهري ليست هندسة بناء لتنظر إليه وإنما تجربة تعاش بالجسد.

فالدخول من الحلقة الخارجية إلى الداخلية ليس حركة عشوائية، بل إنه انتقال تدريجي. ينتقل فيها الزائر من فضاء مفتوح إلى فضاء مقيد، ومن الأفق إلى الداخل، ومن الجماعة إلى العزلة النسبية فوق هضبة الجولان الأخضر.

هذه البنية معروفة في طقوس العبور القديمة، حيث لا يتم التحوّل عبر خطاب أو تعليمات، وإنما عبر المشي داخل فضاء مصمَّم لإعادة تشكيل الإدراك. فالحجر يأسر الحواس ويربك الاتجاه، فيجبر الزائر على فقدان إحساسه بالخارج.

الهندسة غير الدقيقة: حين لا يكون الخطأ خطأً

كثير من الدراسات الحديثة تشير إلى أن محاذاة رجم الهري مع الشمس أو النجوم ‘غير مثالية’. لا تطابق الانقلابات بدقة، ولا تلتزم بزوايا فلكية صارمة. وغالبًا ما يُطرح هذا كدليل ضد كونه مرصدًا فلكيًا. لكن ماذا لو كان هذا ‘الخلل’ هو الرسالة؟

الحداثة مهووسة بالدقة، وبالثبات، وبالأنظمة المغلقة. أما المجتمعات القديمة، خصوصًا الزراعية-الطقسية، فقد عاشت في عالم غير مستقر. حيث المواسم تتغير، والأمطار تخون مواعيدها، وتكثر المجاعات والهجرات.

في هذا السياق، يصبح المنطقي أن يتماهى التقويم مع طبيعة المكان والمناخ، ويعكس الهندسة الكونيّة غير الثابتة. رجم الهري قد لا يكون أداة لقياس الزمن، بل تمثيلًا لفكرة الزمن بوصفه دائرة غير منتظمة، لا خطًا مستقيمًا يمكن ضبطه.

الرفائيم: ليسوا عمالقة… بل ذاكرة أرواح تعيش معنا

الاسم العبري Gilgal Refaim غالبًا ما يُترجم إلى ‘عجلة العمالقة’، لكن هذا الاختزال يطمس دلالة أعمق. في التقاليد الكنعانية والأوغاريتية، الرفائيم ليسوا بالضرورة عمالقة جسديين، بل كيانات حدّية: أرواح أسلاف، أو حضورًا يقع بين الحياة والموت.

من هذه الزاوية، يصبح رجم الهري ليس مجرد مقبرة أو معبدا للأحياء بل فضاء لاستدعاء الذاكرة الجماعية. وهذا يفسّر غياب الهياكل العظمية، وغياب النقوش. فتصبح الدوائر طبقات زمنية بدلا من قبور. والمركز نقطة تماس وليس ضريحا، حيث يتصل الحاضر بالماضي في هندسة تسمح في تغيير الإحساس بالطاقة من حولنا.

لماذا لا يُرى من الأرض؟ سؤال لا يُطرح بما يكفي

إحدى أغرب خصائص رجم الهري أن شكله الكامل لا يُدرك من مستوى الإنسان. لا يمكنك أن ‘تفهم’ ما أنت داخله بمجرد النظر. هذا وحده كفيل بإسقاط الفكرة الحديثة عن العمارة بوصفها خطابًا بصريًا .لم يُبنَ هذا المكان ليُرى وإنما ليُستخدم.

المعنى لا يظهر للعين، بل للجسد أثناء الحركة. كل خطوة تغيّر علاقتك بالمكان، وكل دائرة تعزل الخارج أكثر. إنّه فضاء يُجبر الداخل على التخلي عن وهم السيطرة البصرية—وهو وهم حداثي بامتياز.

الحجر والصوت: الطقس الذي لا نسمعه اليوم

معظم المقالات تهمل نقطة في غاية الأهمية تتمحور حول البازلت، الفراغات، التمركز. هذه العناصر معروفة اليوم في الهندسة الصوتية الطقسية. ومن المرجّح أن رجم الهري كان فضاءً صوتيًا بامتياز. فالصوت في المركز كالترتيل، والطبول، والهتاف قد يكون: مضخّمًا، أو مرتدًا بشكل غير متوقّع أو محيطًا بالسامع من كل الاتجاهات. مما يعني أن الصوت لم يكن وسيلة تعبير وحسب، بل أيضا أداة تفكيك للذات، إذ يفقد الإنسان مصدر الصوت واتجاهه، ويصبح محاطًا بحضور غير مرئي.

أين ذهبت الرموز؟

ما يميز هذا الموقع الأثري أنه لا وجود لرموز أو نقوش تشرح الغاية. والجواب الشائع يندرج ضمن ‘نقص معرفي’. لكن ماذا لو كان الأمر مقصودا؟

فالنقوش والكتابات تحد المعنى بينما الطقوس تفتح لنا الأبواب تجربة شخصية لرؤية الكون والشعور به. فرجم الهري يبدو كفضاء صُمّم ليُعاد تفسيره في كل جيل، دون نص مقدّس، دون تعليمات. الصمت هنا ليس عجزًا، بل استراتيجية تضمن بقاء المكان حيًا، لا متحفًا.

أما اليوم، فيُعاد تأطير رجم الهري داخل سرديات حديثة، بأسماء جديدة، ومعانٍ مُسقطة. وهذا ليس تفصيلاً بريئًا. فامتلاك الموقع يعني امتلاك قصته، وامتلاك القصة يعني امتلاك الماضي نفسه. علم الآثار، في هذه الحالة، ليس علمًا محايدًا، بل ساحة صراع لتثبيت نسخة من التاريخ الذي يريده المحتل. فموقعه في أرض محتلة، يجعله يعاد في تأطير سردي باسم عبري وتم ربطه بأساطير توراتية، وإزاحة الجذور الكنعانية الآرامية.

من بنى رجم الهري؟

السؤال عن الجهة التي بنت رجم الهري يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة سؤال حديث أُسقِط على زمن لا يعترف به. فالموقع لا ينتمي إلى حضارة تحمل اسمًا، ولا إلى مملكة تركت ختمها، ولا إلى شعب دوّن تاريخه. تشير الأدلة الأثرية إلى أن رجم الهري شُيّد في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، في زمن يسبق تشكّل الدول والمدن-الدول في جنوب بلاد الشام، حين كان الإنسان ما يزال ينظم العالم بالطقس لا بالقانون، وبالدائرة لا بالجدار. البنّاؤون كانوا على الأرجح جماعات رعوية-زراعية محلية، أسلاف الكنعانيين قبل أن يصبحوا «كنعانيين» بالمعنى المعروف، مجتمعات بلا ملوك ولا نخب، لكن بذاكرة جمعية قادرة على حشد آلاف الأطنان من الحجر لخدمة معنى غير مرئي.

لذلك لا يحمل رجم الهري توقيع حضارة، لأنه لم يُبنَ لتخليد اسم أو سلطة، بل ليؤدي وظيفة أعمق: تنظيم العلاقة بين الإنسان والزمن، بين الجماعة والمكان، وبين الأحياء وذاكرتهم. إن نسبته إلى شعب لاحق ليست تفسيرًا، بل اعتراف ضمني بأن من بناه ينتمي إلى زمن لم نعد نملك لغته.