تخيل أنك تنظر إلى العالم من خلف قطعة قماش مخرقة، تكفنك في كل خطوة. لا حق لك في عمل يسترك، ولا تعليم لتفهم العالم، ولا طبيب ليداويك… لا حق في أي شيء. هكذا تعيش نساء أفغانستان. منذ عودة طالبان إلى الحكم عام 2021، تحوّلت البلد دولة طهارة قمعية جوهرها الخوف والجهل لا تمس بالطهارة بصلة. فالسلطة الطالبانية لا تعتمد على السلاح وحده، بل على نظام نفسي مغلق يعيد إنتاج نفسه داخل كل امرأة ورجل: الخوف من الانحراف، الخوف من الفضيحة، والخوف من الغضب الإلهي. لتصبح أفغانستان ساحة اختبار لنظام اجتماعي يقوم على الخوف كأداة للانضباط.
في هذا النظام، لا تحتاج الدولة إلى التجسس على الجميع؛ لأن كل فرد يتحول إلى شرطي داخل رأسه. والطاعة ليست واجبًا بل حالة وجود، ومن يخرج عنها يعرّض نفسه وجماعته للخطر الأخلاقي، وكأن “الخطيئة” عدوى يمكن أن تصيب المجتمع كله.

طالبان: من مدرسة دينية إلى دولة طهر جماعي
لمعرفة ما يحصل لنساء أفغانستان لا بد من فهم النظام القبلي والدين الذي ولد لنا تيار طالبان.
نشأت طالبان في بيئة المدارس الديوبندية بباكستان، وهي تيارات سنية حنفية الأصل، لكنها تأثرت بالوهابية السعودية وبالأعراف القبلية البشتونية. وهكذا وُلد مزيج غريب: فقه حنفي + عقيدة وهابية + قانون قبلي = نظام شمولي طهراني.
في هذا النظام، يتحول ‘التدين’ إلى آلية ضبط جسدي وسلوكي، ويصبح الشرف الجمعي أهم من الكرامة الفردية.
فالمرأة ليست مواطنة، بل ‘رمز أخلاقي’ يُعرَّف المجتمع من خلاله. ومن هنا جاءت فكرة أن السيطرة على جسد المرأة تعني السيطرة على روح الأمة.
جذور طالبان القبلية البشتونية
تعتبر البنية القبلية البشتونية هي واحدة من أهم المفاتيح لفهم طالبان، وطبيعة المجتمع الذي أنتجها. لذلك سأحاول شرحها لك أيها القارئ باختصار:
1) من هم البشتون؟
يعتبر البشتون (أو البشتانيون) هم أكبر مجموعة إثنية في أفغانستان (حوالي 40–45٪ من السكان)، ويمتد وجودهم أيضًا إلى باكستان.
يتحدثون لغة تُسمّى البشتوية (Pashto)، ولهم نظام اجتماعي قديم جدًا، قائم على ما يسمّى “بشتونوالي”(Pashtunwali )، أي “قانون البشتون” أو “طريق البشتون”.
2) ما هو قانون «بشتونوالي»؟
هو نظام أخلاقي وقانوني غير مكتوب، أقدم من الدولة والدين في تلك المنطقة، يحدد كيف يعيش الفرد داخل القبيلة.
إنه يشبه “دستور الشرف” الذي يوجّه الحياة اليومية، ويقوم على مجموعة قيم مقدسة أبرزها:
- نَنگ (Nang) – الشرف:
الحفاظ على الكرامة والسمعة أهم من الحياة نفسها.
أي إهانة للشرف تُردّ بالانتقام، وغالبًا بالعنف. - بادَل (Badal) – الثأر أو العدالة:
لا تترك الإهانة بلا ردّ، وإلا تفقد مكانتك في القبيلة.
وهذا يُنتج ثقافة ثأرية مستمرة، تنتقل أحيانًا بين الأجيال. - ميلماستيا (Melmastia) – الضيافة المطلقة:
يجب إكرام الضيف حتى لو كان عدوًّا سابقًا، لأن ذلك يثبت رجولتك وشرفك. - تور (Tor) – الطهارة الأنثوية:
أي تصرف “غير لائق” من امرأة (حتى مجرد شبهة) يُعتبر وصمة على العائلة كلها، يجب “تطهيرها”. - جيرغا (Jirga) – مجلس الشيوخ:
هو السلطة القضائية التقليدية التي تفصل في النزاعات وفق العرف، وليس بالضرورة وفق الشريعة الإسلامية.
3) كيف أثّرت هذه البنية في طالبان ونساء أفغانستان؟
طالبان ورثت هذه البنية النفسية والاجتماعية بالكامل، وألبستها عباءة دينية.
- الشرف القبلي = الشرف الديني:
ما كان يُعتبر “خطيئة قبلية” أصبح “حرامًا شرعيًا”.
وهكذا، فكل تجاوز أنثوي يُعامل كتهديد للعقيدة لا للعائلة فقط. - الثأر = الجهاد:
روح الانتقام البشتونية وجدت في “الجهاد” مبررًا دينيًا، فصار القتال ضد الأعداء واجبًا روحيًا لا ينتهي. - الطاعة للشيخ = الطاعة للأمير:
البنية الهرمية في القبيلة (شيخ، زعيم، تابعون) تحولت داخل طالبان إلى بنية دينية سياسية (أمير المؤمنين، مجلس العلماء، المجاهدون). - المرأة كرمز للطهارة:
في العرف البشتوني، المرأة ليست فردًا بل “شرفًا متنقلاً” يجب حمايته.
طالبان أسقطت هذه الفكرة على الدين، فحوّلت الجسد الأنثوي إلى رمز الأمة نفسها — وبالتالي إلى ساحة قمع دائم.
والنتيجة: دينٌ بلباس العشيرة
ما نراه في نظام طالبان هو إسلام قبلي أكثر منه إسلامًا فقهيًا.
أي أنه يستخدم الرموز الدينية (الحجاب، الحلال، الحرام) لتثبيت قيم قديمة مثل الطاعة والثأر والشرف.
بكلمات أخرى: طالبان ليست تطبيقًا للشريعة بقدر ما هي إعادة إنتاجٍ لقانون البشتون بلغة القرآن. لذلك الذين يدافعون عن هذا النظام، ويقولون أن وسائل الإعلام الغربية تشوهه لأنه التمثيل النقي أو الحقيقي للإسلام، فهؤلاء لا يملكون أية فكرة لا عن جوهر الإسلام ولا أي شيء عن نظام طالبان. وللأسف، أقرأ مقالات وتعليقات يندى لها الجبين، تعلمنا عن مدى تشوه نظرتنا إلى العالم وبالخصوص نظرتنا نحو كل ما هو أنثوي. فما يحدث لنساء أفغانستان ليس معزولا عن العالم بل هو زلزال في حقوق الإنسان ومرض سينتشر في العالم إن لم نقم ونواجه هذا النظام الماسوجيني الفاشي.
لماذا تكره طالبان النساء، والأسباب وراء تدهور حال نساء أفغانستان؟
والآن نصل إلى جوهر السؤال الذي يراود كل من يتابع المشهد الأفغاني: لماذا كل هذا القمع من طالبان تجاه النساء؟ ما الذي يجعل نظامًا سياسيًا كاملًا يُبنى على فكرة إخراس نصف المجتمع؟
لفهم الميسوجينية الطالبانية، علينا أن ندرك أولًا أن الكراهية هنا ليست انفعالًا عابرًا، بل نظام خوفٍ متكامل. فالأنثى، في المخيال الطالباني، تختزل في ثلاثة رموز : الجسد، الرغبة، والعاطفة؛ أي كل ما هو متغير، نابض، لا يمكن ضبطه.
وهذه الصفات الثلاث هي بالضبط ما يرعب النظام الطالباني الذي يرى في التغيّر بذرة فوضى، وفي الفوضى نهاية للسلطة.
الخوف من المتحوّل
طالبان نظام يعيش على الثبات. والعقيدة عنده ليست وسيلة فهم للعالم، بل درع ضد التغيير. إنه نظام قائم على الخوف من كل ما يتغيّر، لأن التغيّر يعني انكشاف هشاشته. والأنثى، بما تمثله من حياةٍ، دورة، خصوبة، وولادة، هي التجسيد الأسمى لذلك التغيّر.
هي، ببساطة، ما لا يمكن تثبيته. ولهذا يصبح الجسد الأنثوي في المنظور الطالباني مصدر قلق وجودي: كيف يمكن لنظامٍ يقوم على الانغلاق أن يتصالح مع كائنٍ تجسّد الحركة ذاتها؟ وكيف يمكن لعقلٍ يخاف من التحوّل أن يحتمل من تذكّره بأن العالم ليس ساكنا ويدور حوله لوحده؟
من الخوف إلى التأديب
حين يعجز الذكر الطالباني عن مواجهة خوفه من الأنثى، فإنه لا يعترف به، بل يحوّله إلى سلطة. فبدل أن يرى في المرأة مرآة له، يراها سبب اضطرابه. ومن ثمّ، يصبح تأديبها محاولة لتطهير الذات من ضعفها. إنه لا يعاقبها لأنها مذنبة، بل لأنها تذكّره بأنه بشر،
وأن في داخله رغبةً، وشكًا، وحنينًا لما لا يمكن تملّكه. هكذا تتحول السلطة على الجسد الأنثوي إلى طقس روحي؛ حجابها تطهير، وعزلها تهذيب، ثم منعها من التعليم حماية ‘لها’، أي له هو من نفسه.
طالبان لا تكره النساء لأنهن ناقصات، بل لأنها ترى فيهن عيب الأكبر الذين يحاولون إنكاره وهو أن نظامهم أو عقيدتهم ليست سوى وهم وسط عشرات الألوف من العقائد الدينية والإيديولوجيات. ورغبتهم في إظهار أنفسهم ككائنات طاهرة منزهة ليست سوى عقدة نقص وخوف من حقيقة أنهم عليهم الاندماج مع العلوم وقبول أفكار الآخر.
الرغبة كتهديد للنظام
في العمق، الطالباني لا يحارب النساء بل يحارب الرغبة. فالرغبة هي التهديد الأكبر لأي سلطة تريد السيطرة المطلقة، لأنها تربك الحدود وتعيد توزيع القوة. حين يرغب الإنسان، يفقد انضباطه. وحين يفقد انضباطه، ينهار النظام. لذلك، فالقمع الجنسي ليس عرضًا من أعراض الفكر الطالباني، بل هو جوهره. هو نظام يخاف من الجسد لأنه لا يطيق الاعتراف بأن لديه جسدًا. كل خطاب ‘الطهارة’ الذي يرفعونه ليس سوى محاولة لطمس الرغبة بوسيلة جماعية، لتحويل ما هو طبيعي إلى خطيئة دائمة، حتى يستمر الشعور بالذنب الذي تحتاجه السلطة لتعيش.
المرأة كمرآة للضعف الذكوري
المرأة بالنسبة لطالبان ليست “ضعيفة”، بل مهدِّدة. وجودها في الفضاء العام يذكّر الرجل بضعفه أمام الغريزة، وبأنه لا يملك السيطرة الكاملة على نفسه. فيُسقط هذا العجز على الخارج، ويحوّله إلى قوانين، فيُنشئ دولة كاملة هدفها الأساسي أن تخفي ضعف الذكر خلف جدار الشريعة.
إنها عملية إسقاط نفسي جماعي:
كل ما يخيفهم في داخلهم — الرغبة، الشك، الاضطراب، الحاجة — يُنقل إلى جسد المرأة ويُعاقَب فيه. وهكذا، يصبح الجسد الأنثوي مسرحًا للتوبة العامة.
وهكذا تتحول الماسوجينية إلى نظام نجاة يسجن نساء أفغانستان في نظام قمعي
من هذا المنظور، كراهية طالبان للنساء ليست مجرد تعصب ديني، بل آلية بقاء سياسي ونفسي. فما دامت النساء تحت السيطرة، يبقى النظام في حالة طهارة رمزية، كأن قمعهنّ يُثبت أن العالم ما زال يمكن ضبطه، أن الله ما زال إلى جانب “الرجال الطاهرين”.
إنهم يخلقون واقعًا مغلقًا يطرد الحياة حتى لا يضطروا إلى مواجهة حقيقتهم. لكن ما لا يدركونه هو أن الحياة التي يقمعونها ستعود دائمًا: في التعليم السرّي، في الشعر، في الموسيقى، في الذاكرة الجماعية للنساء اللواتي لم يصمتن بعد.
إنهم لا يعاقبون النساء لأنهن مذنبات، بل لأنهن يذكّرنهم بأنهم بشر.
الطهارة كهوية وطنية
في ظلّ الحصار والفقر والعزلة، لم يبق لطالبان سوى “الطهارة” كرمز سيادي. فحين تفشل في الاقتصاد والتعليم والسياسة، تعلن نجاحها في “حماية الأخلاق” تصبح الطهارة إذًا رأس المال الرمزي الذي يحفظ تماسك الدولة.
ولكي تستمر هذه البنية، يجب أن يوجد “عدوّ دائم” يهددها؛ وغالبًا ما تكون المرأة. فنساء أفغانستان العدوّ الداخلي المثالي: لا تختفي، لا تُهزم، لكنها أيضًا لا تتكلم. وبذلك تظلّ آلة الخوف تعمل بلا توقف.
قطر.. الراعي الخفي لنظام طالبان
قطر من الدول ‘العجيبة’ لديها ميول مثير للاهتمام في تبني أي نظام سلفي متطرف وبالخصوص ماسوجيني. فقد حيرت سياسة هذه الدولة الصغيرة الكثيرين. فهي الدولة التي أقحمت نفسها في كل ما يتعلق بسياسة الشرق الوسط وغيرها بأخطبوط اقتصادي محكم.
الدعم القطري لطالبان ليس لغزًا بقدر ما هو استثمار سياسي محسوب. منذ افتتاح مكتب طالبان السياسي في الدوحة عام 2013، تبنّت قطر خطاب “الوساطة والحوار”. لكن الواقع أعمق من ذلك:
- قطر تسعى لتثبيت نفسها كقوة دبلوماسية إسلامية مؤثرة.
- طالبان، بنظامها الديني المغلق، تُمثّل نموذجًا يمكن التعامل معه دون أن يهدد المصالح الغربية.
- وهكذا تتحول “المساعدات الإنسانية” إلى غطاء نفوذ ناعم، وتُترك نساء أفغانستان يدفعن الثمن.
فالعالم يكتفي بالتعاطف، لكنه لا يجرؤ على مواجهة الجذر الحقيقي: أن طالبان ليست انحرافًا عن النظام الدولي، بل جزء منه.
نساء أفغانستان ضدّ النسيان
وسط هذا الجدار من الخوف، تخرج نساء أفغانستان في مظاهرات صغيرة مقموعة، رغم الاعتقال والعنف. يحملن لافتات كتبن عليها شعارات مثل ‘الحرية حقٌّ لنا’ أو ‘لا لتكميم أصوات النساء‘. وفي كل مرة يتم تفريقهن، يُعاد إنتاج الصورة ذاتها:امرأة أعزل تواجه دولة مسلحة بالخوف. إلا أن قادة العالم الذين يملكون القوة الحقيقية لتغيير واقعهن، تصنف نساء أفغانستان في أسفل أولوياتهن. نعم، تحرير نساء أفغانستان يجب أن يكون أولوية قصوى، فنحن نتحدث عن أناس حرمن من كل شيء حرفيا: لا يكم للنساء التحدث بصوت عال، لا يمكنها تجاوز عتبة الباب دون مجرم، لا يكمنها أن تدرس، لا يمكنها أن تعمل… وصولا إلى أن يمنع على الأطباء الذكور لمس النساء، وبما أن النساء محرومات والتعليم والعمل فليس هناك طبيبات والنتيجة الوحيدة: أن نساء أفغانستان دون تطبيب ورعاية صحية.

ولتقريب الصورة لك أفضل، في زلزال أفغانستان الأخير، كانت النساء النسبة الأكبر من ضحاياه. لماذا؟ لأن المسعفون، الذي يشترط بأن يكونوا ذكورا، لا يمكنهن الاقتراب من النساء. والنساء لا يمكن الخروج دون النقاب الرسمي وإلا سيعاقبن. إنها قمة المعاناة. إلا أن نساء أفغانستان لم يتوقفن عن المقاومة. خروجهم لمظاهرات في هذا النظام القمعي هو قمة الشجاعة. ففي النهاية كل ما يحتاج إلى هذا القدر من العنف ليحافظ على نفسه هو هش وضعيف الجوهر، نظام طالبان أفضل مثال.
طالبان كمرآة لانحدار الإنسانية
ربما علينا أن نتوقف عن النظر إلى طالبان كاستثناء شرقي أو ديني، ونبدأ برؤيتها كـ انعكاس للبنية الأعمق في السلطة البشرية:
كل نظام يخاف من الحرية يحاول أولًا إخضاع الجسد: وأول جسد يُستهدف هو جسد المرأة. فطالبان ليست “جنونًا دينيًا”، بل تجسيد متطرف للنظام الأبوي العالمي حين يُترَك بلا مقاومة.
لهذا، فإن الدفاع عن النساء الأفغانيات هو دفاع عن ذاكرة العالم نفسه ضد النسيان.
طالبان تبني سلطتها على معادلة بسيطة: كل ما يحرّرك ينجّسك، وكل ما يقيدك يطهّرك.
وهذه المعادلة لا تخص أفغانستان وحدها، بل هي صورة مكثّفة عن ميل الإنسان لاستخدام الفضيلة كسلاح. النساء في كابل وهرات ومزار شريف يواجهن هذا السلاح وحدهن، لكنهن يكتبن التاريخ بطريقة أخرى: بالرفض، بالصمت، وبالنجاة اليومية. إن نسيانهن يعني القبول ضمنًا بأن الخوف يمكن أن يكون نظام حكم مشروع.لكن تذكُّرهن هو تذكير بأن الحرية ليست ترفًا، بل آخر أشكال الكرامة الإنسانية الممكنة.



