قيامة عشتار الفصل الأول: المقطع الثامن

[«الفصل الأول: المقطع السابع_ قيامة عشتار»]

(POV: أنيكا)

قدسياء، بلستينا II021

رفع الكهل البلستيني باب الدكان. أخرج طاولة خشبية دائرية صغيرة على الطراز الشامي. علق جزدانات من الجلد، بعض الاكسسوارات والمصوغات. جلس رافعا أنفه وإن كانت عيناه غير مرتاحتين. ظلت أنيكا تراقبه لمدة كافية. تضع منديلا خفيفا على رأسها، بنظارات شمسية، سمرتها الداكنة استوقفت الجندي الأشراريلي، ولكن ملامحها الهندية جعلته يفطن إلى أنها سائحة. كانت بشرته بيضاء، وأنف طويل معقوف، وعينان متقاربتان باهتتان… ثم عادت تنظر للكهل، سمرة فاتحة، وعينان حادتان، وأنف عريض بمنخرين واسعين…

تحركت. تسير ويديها في جيبي معطفها الجلدي الطويل. ترتدي تنورة طويلة، ملابسها من دون شك تثير الفضول. ابتاعت من الكهل صاغة على شكل قلب بثلاث شيكلات. لم تكن صناعة متقنة بل مجرد خردة خالية من أي تعقيد أو جمالية. لكنها لم تكن تهدف لشراء هدايا تذكارية بقدر ما ترغب برؤية أصابع الرجل ووقفته وهو يحاول إقناعها بالشراء. لديه مشكلة في العمود الفقري، سيفقد القدرة على المشي ثم أداء الحركات المعقدة بعد حوالي… قاطع رنين الهاتف شرودها، فاستمرت بالسير على وتيرتها البطيئة بين أزقة القدسياء القديمة إلى أن وصلت معهد ‘المعبد’.

تستقبل منحوتة الشمعدان اليهودي الداخلين إلى المبنى ذي القرميد الأصفر الذي يشبه معظم الأبنية بالمدينة بلونه وهندسته المعمارية. كان مؤسسة عصرية لا تختلف كثيرا عن غيرها إلا أن البخل يفوح من زواياها، كأي مؤسسة أشراريلية أخرى، فأكبر اختلاف بين اليهود والعرب هو الاختلاف بين البخل والجود.

كان في انتظارها شيلدون، يرتدي بذلة رسمية ثقيلة في هذا الجو الحار. أبدى امتعاضه من تأخرها وأعاد ملاحظته بأن عليها احترام المواعيد والقوانين. كان جليس الأطفال الخاص بها، وللأسف عليها ألا تزعجه، فهي المشرف عليها. يتميز شيلدون بطول القامة وعينين شديدتي الزرقة، وصوت رفيع بالنسبة لذكر. كان عميلا لدى وكالة الاستخبارات المركزية. جاء إلى أشراريل بصفته مساعدا قانونيا. وهما معا فردان من البعثة التي أرسلتها شركة ‘بيلمان’ التي تقع بتكساس إلى قدسياء، لتولي نقل ومراقبة دورية لمنتجها الحصري. قالت: «جميل جدا أن تعتقد أنك رجل حقيقي بمنصب حقيقي»

ــ «القوانين هي القوانين، سيطرح من رصيدك ثلاث نقاط على تأخرك. والآن اصمتي وأدي عملك» مشيرا إلى ظهور البروفيسور جاكمان الذي تبعاه بينما هو يسير بصمت متوتر. ما برح أن قاطعه بابتسامة ونبرة واثقة فور دخولهم إلى مكتب الإدارة.

قدم البروفيسور لمدير المعهد سبب التغيرات الفيزيولوجية الذي أصابت البقرات الحمر الخمس وأنهى تفسيره بهزة من الكتف برجل على رجل: «أفضل شيء يمكن القيام به، إعادة التجربة بأخذ عين الاعتبار ما حصلنا عليه من النتائج إلى حد الآن»

وضع روفين جانب يده على عنقه قائلا: «الوزير يضغط على رقبتي، لقد استقبل الأبقار الحمراء بنفسه والآن تريد إخباره أنها لم تعد صالحة»

ــ «لازالت صالحة للأكل على كل حال»

ــ «أتظن أن هذا الوقت صالح للمزاح؟»

ــ «آسف، لم أقصد الإساءة. ولكن إدارة الشركة تقترح القيام بالعملية من أولها لآخرها هنا، تحت مراقبتكم» وحل عقدة رجليه ليعقد ذراعيه: «هذه المرة بالفعل قد تكون الموعودة، وأيضا لو أن الأمر يتم بالكتمان لحد التأكد من جاهزية العجول لتتجنبوا بلبلة الإعلام غير المفيدة»

ــ «إنها ليست بلبلة بل هو إعلان بأننا قائمون على تحقيق مشيئة الرب»

فتح جاكمان ذراعيه: «اعذرني لا أقصد التقليل من.. معتقداتكم، إني أقوم بعملي وحسب»

رفع روفين بصره تجاه شيلدون الذي يدون ملاحظاته على اللوح الرقمي بصفته مساعدا، ثم ألقى نظرة إلى أنيكا وحملقت فيه أيضا بابتسامة واثقة. فعقب جاكمان: «البروفيسورة أنيكا هي من ستتولى التجربة القادمة»

ــ «وماذا ستفعل أنت؟»

ــ «ماذا سأفعل؟ سيدي، لدي كثير من الأعمال التي تنتظرني.. هذا لا يعني أبدا أبدا بأن مشروعكم أقل أهمية، بل العكس تماما لهذا أوكلنا المهمة لواحدة من أفضل علمائنا السيدة أنيكا»

أشار المدير بسبابته قائلا بإنجليزيته الشرقية: «نريدك أنت ليس هي». ولوح بيده: «أو سنقطع التمويل نهائيا»

عند خروجهم، فضل جاكمان السير بدلا من السيارة، قائلا لشيلدون: «اذهب وخذ استراحة، أريد أن أصفي ذهني لبعض الوقت».

تجلت ابتسامة عصبية على وجه الرجل الأبلق: «أأنت متأكد؟ لا أعتقد أنها فكرة جيدة»

ــ «هيا، هيا اذهب واسترخ شيلدون» رمقته أنيكا بتعبير ساخر، بينما هي اقترح عليها البروفيسور مرافقته.

قال وهما يمضيان بين الأزقة الضيقة: «لا تلقي بالا لذلك الرجل المتعصب»

ــ «لما علي ذلك؟ انتظر، أرفض تعييني لجنسي أو للوني؟»

ــ «لا تبالي.. لا تبالي، إنه الخاسر طبعا» وحدجت نفسها في زجاج إحدى السيارات غير متأكدة.

سألت: «لماذا تريد أن تستقيل على كل حال؟»

تبدى بعض التوتر عليه ورد: «لقد كبرت في السن وأفضل العودة إلى نيورك. أفضل شيء نحصل عليه بخبرة واسعة وسمعة جيدة هو اختيار مكان عملنا على الأقل، ألست محقا؟»

«لازال أمامك سنين طويلة لتعيشها» على الأقل ثلاث عقود. شكرها ظنا منها أنها تواسيه، رغم تجاوزه سن السعبين إلا أن مؤشراته الصحية جيدة.

أخذت القبة المذهبة للمسجد الأقصى بالظهور كلما تقدموا شرقا. أخذ جاكمان لحظة واقفا يتمعن ثم قال: «أتعتقدين حقا أن هناك شيء أسفل ذلك المكان؟»

«أتقصد الهيكل الذي يحتاج بقرة ليظهر؟» انفلتت منه ضحكة رغم أنها نبرتها لم تحمل شيئا من السخرية. أردفت: «البقر من حيث أتيت مقدس أيضا»

ــ «لا، لا أقصد الإساءة لأحد، للجميع حق في عبادة أي شيء والإيمان بأي شيء»

ــ «لا تقلق، ما أقصده هو أحيانا يحتاج البعض أن يسكب بعض الدماء ليحصل على شيء مقدس لإيمانهم. فكل ما زاد الثمن زادت قيمة الشيء…»

ــ «أتؤمنين حقا بأن هناك تابوتا مقدسا أسفل ذلك المبنى؟»

«أؤمن بالحقائق، ومنها أن كثيرا من الدماء سفكت هناك؛ ألأنه مقدس أم هذا ما جعله مقدس، هذا محل للنقاش»

ــ «تقصدين الصراعات التي لا تنتهي..»

ــ «بل القرابين»

اشتد توتره وصمت لحظات يمحص ما سيقوله تاليا: «هناك سبب يدفعني للابتعاد من هنا»

ــ «غير التقدم في السن» تباسم ثم عاد ليصمت يلوي شفتيه.

قال كأنه يحدث نفسه: «أحتاج لرأي آخر.. هل يمكنني أن أريك شيئا؟»

وبالشقة التي يقطن فيها جاكمان، ألقت أنيكا نظرة سريعة على ملفات جمعها. سأل: «ما رأيك؟ الأمر مخيف، أليس كذلك؟»

ــ «تقصد حصد بعض الأعضاء البشرية..»

ــ «ليس هذا وحسب، إنهم.. كأنهم يقومون بصناعة بزة.. بشرية.. منذ حوالي عشرين سنة عملت بنفسي على تجربة كهذه: صناعة هيكل لآلي اعتمادا على الجلد البشري لمحاكاة دقيقة للشعور بكل شيء كالملمس، والألم، والبرودة… لكن أُمرنا بالتوقف لأسباب تتعلق بالتمويل. هذا ما أخبرونا به… ولكن بعد مجيئي إلى هنا اكتشفت بأن المشروع لم يتوقف قط… إنهم يحصدون الأعضاء البشرية ويختبرون على البشر الأحياء.. إنهم يقومون بتجارب على البشر!»

ــ «أنت أيضا تقوم بتجارب على الحيوانات»

رمقها منذهلا من ردة فعلها: «التجارب على البشر جريمة بشعة عديمة الرحمة»

ــ «بشر؟ حيوانات؟ ما الفرق؟ كلها أجساد مائعة»

ــ «ما الفرق؟! إنها جريمة..»

ــ «أوه.. نعم، نعم أفهم هذا» ثم استدركت تسايره: «اعتقدت أنك تقصد التجارب السريرية…»

ــ «لا، لا، انظري..» ولوح بيده: «كان خطأ كبيرا إخبارك بهذا» البشر، أحيانا، ظريفون. قالت: «سأشتاق إليك» تعجب جاكمان من ردها.

حينما دخل شيلدون تراجعت بالكرسي إلى الخلف. وقف البروفيسور متسائلا عن كيفية دخوله إلى غرفته ثم عاد ينظر إليها: «لماذا؟ هل أنت من اتصل به؟»

ــ «بالتأكيد لم أفعل» فقد كان الضابط يراقبه في الأيام الأخيرة وبعد حديثه هذا تحولت الشكوك إلى خطر محدق.

رفع الضابط قدمه وبركلة واحدة ارتمى البروفيسور نحو الحائط بقوة كبيرة فتهشمت رأسه كإسفنجة. وضعت أنيكا يدها على خدها: «خسارة، كان دماغا مثيرا للإعجاب»

فتح شيلدون حقيبته ووضع القفازات الصفراء، وأخذ ينظف ويرتب مسرح جريمته. جلب المبيض وممسحة، ووضع الجثة في حوض الاستحمام مع مواد كيميائية للتخلص منها. كان يعمل وهو يدندن لحنا عفويا. علقت: «انظروا إليه، كم هو سعيد حقا..»

رد المخلوق غير مدرك للتهكم لنبرتها: «أحب كثيرا رائحة المبيض، وعندما يصبح كل شيء نظيفا» وانتابته نشوة.

فقاطعت سعادته: «أتدرك أن السيد كوهين سيكون غاضبا؟» توقف عن مسح بقايا بصيلة المخ الصغيرة عندما أدرك أنهما سيتعرضان للتوبيخ: «من سيعرض عليه التقرير؟» ثم لعبا حجرة ورق مقص، لتخسر الرهان.

يتميز ‘عزرائيل إبرا كوهين’ بعينين رماديتين جاحظتين، وأنف كبير معقوف، تجعدت بشرته البلقاء لتزيد من كبر رأسه البيضاوية. له رقبة قصيرة ثخينة، ويدين ضخمتين لا تتناسبان مع حجمه لقصر قامته. كان عزارائيل زحافيا إلا أنه ارتدى البذلة البشرية لوقت طويل إلى أن أصبح من الصعب تمييز طاقته الزحافية التي انضوت تحت تأثير مادة البعد الأرضي.

ظل يحك ذقنه للحظات يحلل عواقب خسارة البروفيسور جاكمان، واقفا من خلفه مساعدين مشغولين يذكرانه بأن لديه رحلة عاجلة. قال شيلدون الذي يفتقد إلى الصبر: «لا تقلق سيدي، بعدما أنهيت حياته نظفت كل مخلفاته وليس هنالك أي دليل على العملية»

رد كوهين: «إنه أمريكاني»

دور شيلدون عينيه غير فاهم وقال: «أعلم ذلك»

قال العميل المشرف لكوهين: «لا يمكنهما البقاء هنا وأيضا لا يمكن إعادتهما إلى الولايات»

أظهر رجل الأعمال امتعاضا، كان يسعى في تقليل خسائره. وبعد تفكير مطول قرر: «يمكننا إرسالهما إلى سورمادا»

تقدم شيلدون شاهقا: «سورمادا؟ سيدي هذا قرار مجحف»

لم يأبه أي منهم لتذمره في حين رد المشرف: «ألا زلت تسعى للحصول على أحجار المداخل؟»

ــ «أنيكا خبيرة بهذه الأمور»

ــ «حقا؟ تستطيعين التحقق من أصالة الأحجار؟»

تجلى الامتعاض أكثر على كوهين: «لا. لنرسل لصديقنا الأسدي امرأة على سبيل التغيير» ورمى بملف نحوها.

احتوت الصفحة الأولى من الملف على المعلومات الأولية عن ‘أبو حمزة الأسدي’. وتحول امتعاض كوهين إلى ابتسامة ماكرة: «قادرة على ترويض مخلوق كهذا أنيكا؟» أغلقت الملف وردت: «سأرى ما يمكنني فعله»