قيامة عشتار الفصل الأول: المقطع الثاني

[«الفصل الأول: المقطع الأول _ قيامة عشتار»]

زهراء نيسان

زهراء نيسان_قيامة عشتار الفصل الأول

ريف إيبلا الشمالي 10 أيار II021

انطلق الميكروباص وعلت زمجرة المحرك على إيقاع دوران العجلات غير المنتظم، فيهتز على أثره هيكل العربة الرديء. توقف بين فينة وأخرى عند حواجز التفتيش العسكرية التي تملأ الطريق الممتدة على سبعة وثمانين كيلومترا، تزين جنباتها مجموعة من الأحراش وشجيرات قصيرة وأحيانا أكواخ قروية مختبئة خلف أغصان الكرم. ماذا كانت الكلمات يا ترى؟ أمالت الصبية زهراء رأسها نحو زجاج النافذة، ففي الأيام الأخيرة لازمها لحن تهويدة قديمة من دون أن تستطيع استنباط كلماتها، ومستسلمة لرتابة الطريق الملتوية أسدلت جفنيها لدقيقة.

تراءى لها حلم كانعكاس ضوء على الزجاج في نهار ضبابي، كالغمام، آسر وحزين بعض الشيء غير أن العين لا ترى سواه. هدهدت الأم طفلتها تلفها بين ذراعيها، تغني لها أغنية عن الحمام لتنام. تمسكت أنامل الصغيرة بثياب أمها تنصت للتهويدة التي تُعزف على إيقاع نبضات قلبها الحنون ومال رأسها إلى صدرها وغفت… تذكر أنها غرقت في نوم عميق تحت حصن جفون الأم المنيعة، في حضنها الذي يعبق برائحة الأمان.. الحب… لو أنها نامت مئة عام… لو أنها لم تستيقظ يوما… ساعتها سيظل لحن التهويدة يعزف إلى الأبد… يا ترى ما الكلمات؟

فقد ضاعت الكلمات بين صرخات الأرواح النائحة، نادت الطفلة بصوتها المخنوق.. ماما. ابتسمت الشمس على الأجساد المرصوصة ملفوفة بملاء ملونة وخشنة، اهترئ صوفها وتدلت منها الخيوط. ليس هنالك أكفان فالعدد كبير، مقبرة جماعية ستفي بالغرض. لكن الصبية آنذاك لم تر يوما ميتا فلم تكن تفهم معنى الموت، فكيف لطفلة في عمر الزهور أن تستوعب ما حدث فحتى ذلك الشيخ الهرم ظل واقفا أمام العمود كقطعة خشبية بعيون شاخصة، ربما تساءل كيف طال به العمر ليشهد يوما كهذا… نزلت دمعة من مقلتيه وانكمشت شفتاه المتجعدتان وقد انتهى وقت الكلمات…

تحرك النسيم يتلاعب بالملاء، تنزل وتهبط على لحنه الكئيب. انقشع وجه الأم الذي كاد لونه يمتزج مع الغطاء الأرجواني الخفيف. اندفعت الطفلة فرحة.. ماما.. ماما.. لكن من سيجيب. أضحى الحصن المنيع عيونا مغمضة مسودة والحضن الدافئ يدين متصلبتين باردتين… ضمت الطفلة وجه أمها بيديها الصغيرتين تنادي… ماما.. ماما.. ملمسه لا يزال أثره على يديها إلى الآن…

اهتزت العربة بعد تجاوز مطب ترابي وأخفض صاحبها السرعة تدريجيا لتتوقف أمام حاجز تفتيش علقت أمامه لافتة مستطيلة كتب عليها ‘الشرطة الإسلامية’ وتحتها الجبهة الإسلامية التي تسيطر على معظم مناطق إيبلا. نفضت الصبية النعاس عن عينيها واعتدلت على نصف كرسي حيث يشغل النصف الآخر امرأة منقبة برفقة طفل. عم الهدوء بين الركاب وقد تأهبوا عندما طُلب من السائق ركن الميكروباص إلى حاشية الطريق. أخذ ضابط باستجوابه والرجل يجيب بأدب باحثا بين أغراض صندوق تحت المقود عن أوراقه الرسمية ورخصة التنقل بينما صعد ضابط آخر يتحقق من المسافرين واحدا تلو الآخر.

كان رجلا فارع الطول، له بطن منتفخة تدل عن قلة ممارسة الرياضة إلا أن ذراعيه المشعرتين تبرزان قوة في العضلات المشدودة والكتفين الواسعين، على أحدهما ترقد بندقية روشية نصف أتوماتيكية من طراز آكا 7ب، السلاح المفضل بين الجهاديين لخفته وسرعة طلقاته. زين المقاتل وجهه بلحية سوداء منتوفة كحاجبيه العابسين وعقد شماخا على رأسه لتحميه من حرارة الشمس في عز الظهيرة.

أمر بضعة من الركاب بالترجل للتحقيق معهم أكثر عند الحاجز، كانوا مجرد أناس غير محظوظين سيضطرون لدفع رشوة لاستئناف رحلتهم. وصل الدور عليها فمدت الهوية، ورقة مهترئة ذات حواف ممزقة وقد تبللت بالماء عند خطوط الصورة الشخصية ففسرت قائلة: «هذا ما لدي، فقد دمر منزلنا وضاع كل شيء، والحمد لله تبقت هذه سالمة… إلى حد ما»

تمعن المقاتل في الورقة كأنه يريد استخراج شيء سحري منها وتمتم: «تاريخ الازدياد، ليس واضحا تماما» وقربها إلى عينيه محاولا فك الحروف التي اختلط حبرها مع بعضها البعض في ريبة: «ما الذي أتى بك إلى هنا؟»

ـــ «الدراسة» سبب نظيف ولا يثير كثيرا من الأسئلة، فلا شيء يقف في وجه العلم حتى الحرب. تفرس الرجل في وجهها، خشيت أن يكتشف شيئا فتغيير الصورة الشخصية كان الأمر الأصعب.

ـــ «زهراء نيسان، نصرانية…» نطق بالكلمة كأنها سبة تخرج من فمه: «أتيت بمفردك؟ أين ولي أمرك؟»

ـــ «العائلة كلها بإيبلا وأنا سألتحق بهم بإذن الله تعالى» تفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها، حافظت على ثبات أنفاسها قدر الإمكان حتى لا يظهر أي تشوه تحت العباءة، بالتأكيد لن يطلب بتفتيش امرأة من العوام، لو أنها استطاعت تغيير الديانة إلى سنية لكان هذا أفضل لكن لم تستطع العبث بالورقة أكثر.

أعاد الورقة قائلا: «استري شعرك يا بنت الناس» مشيرا إلى غطاء شعرها الذي انزلق ومر إلى الراكب الذي خلفها. عدلت الشال وثبتت طرفيه حول عنقها عاقدة ما تبقى إلى الخلف، لم تكن معتادة على هذه الملابس، فالعيش كالعوام متعب حقا. تحققت من الساعة على هاتفها وقد اضطرت كباقي الركاب إلى الانتظار ساعة أخرى قبل أن ينطلق الميكروباص من جديد، هذه المرة نحو المنطقة الحضرية. ابتدأت بخيمتين لبائعي القهوة والمأكولات الجاهزة. أغلب المحال مغلقة تعلوها منازل قصيرة القامة، معظمها يتكون من طابقين ويسود جدرانها الأصفر الرمادي. لا وجود للحدائق المنزلية وتكاد النباتات أن تكون منعدمة بين الشوارع وقد تناثرت الأزبال مع أوراق الشجر على حواف الطريق.

كثيرة اللوحات الإعلانية التي تحاول إقناع شعب السرمد بالبقاء ببلدهم، كلوحة تضع الخيار بين سترة نجاة و’جُعبة’؛ وهذه تعني السترة العسكرية وخط إلى جانبهما سؤال بالخط العريض: ‘أيهما تريد تلبس يوم القيامة؟’ لقد نسوا وضع حرف ‘أن’، لكن الدقة في التنفيذ كانت دائما أسفل القائمة في هذه المناطق.

تسعى الجبهة جاهدة للحصول على تأييد الحاضنة الشعبية لكن طرقها الفجة في تحصيل الجبايات وتطبيق القانون بالقوة غذت الكره المتنامي ضدها في نفوس العوام من الساكنة الذين يعيشون تحت وطأة الفقر والذل فأفضل الأجور لا تتجاوز ثلاثين دولارا للشهر، كانوا عالة لا يقاتلون، لا يغيرون من حالهم شيئا فقط يتذمرون ويشتكون لأي جهة إعلامية تزوروهم عندما لا تجد موادا لعرضها خارج أوقات الذروة، وكل أحلامهم تتلخص في الهروب نحو أوروبا.

أبطأ السائق من سرعته عند قنطرة تمر من فوق نهر القاسي وتوغلوا أكثر نحو الشمال الغربي وصولا إلى معبر الجلاء فلاحت جموع غفيرة من الناس متحلقين حول مدخله ينتظرون. قالت امرأة لزوجها وهي تحدق من النافذة: «أخبرتك أن ننطلق باكرا، هكذا سنعلق هنا إلى أن يحل الظلام»

فأجابها صارخا: «هل هذا خطئي أيضا؟ لم أجد وسيلة نقل إلا أن بعد أن طلع النهار»

ـــ «كْواه؟ نومة بلا قومة، أليس البارحة كان ابن عمك مسافر؟ أنت الذي رأسك كالصخر لم ترض أن نرافقه»

أمسك برأسه وصاح من جديد وقد تبينت لهجته الشامية التي تدل على أنه نازح من الجنوب عكس زوجته الشمالية الشابة: «الله صبرني معك، لَييكِ براميل النظام وذبح داشع أرحم لي من السباب الذي يخرج من فمك»

شاركت الصبية الزوجة مخاوفها فهذا الحشد المنتظر أكبر بكثير مما توقعت. ركن السائق في المحطة المؤقتة فتدافع الركاب إلى النزول. تثاءبت بعدما مست قدميها الأرض ومددت يديها في الهواء إلى أن سمعت طقطقة المفاصل المتعبة من الجلوس وقد انسلت إلى أنفها رائحة المازوت ممزوجة برائحة روث الدواب التي تتضوع في المكان.

من هنا ترتسم المدينة كئيبة الملامح بمبانيها المهجورة التي تعوي كلما هبت الرياح، وقاسية الطبع في مياه النهر الضحلة وصخوره التي ترسم له مسارات متعرجة كأنها تحاول التمسك بمياهه كيلا تفلت من قبضته. انتشرت الحشائش بين ضفافه، تتشابك كخيوط الذهب في جهة وتنحني وتنكسر باستسلام في جهة أخرى تحت أقدام المنتظرين لدورهم، وآخرون افترشوا الأرض من كثرة الانتظار الذي يشغل كل حيز في حياتهم.

تقدمت زهراء نحو الصف المشوه وقد تسابق الناس على أخذ الدور وتراكم بعضهم على بعض كخلية نحل لكن شتان بينه وبين النحل المنظم. كلما رفعت يدها لتلتقط الرقم الذي يمده صاحب المكتب المختبئ خلف الزجاج، يفاجئها أحدهم بخطفه في مناورة لم تشهدها في أعتى المعارك أو تدفعها امرأة جانبا فتصطدم بآخر يصيح في وجهها بأن تبتعد عن الطريق. أدهشتها قوتهم وعيونهم الجاحظة، لو أنهم يستخدمون نصف هذه الحماسة في القتال لربحوا الحرب منذ أمد بعيد.

فارتمت زهراء بكل قوتها نحو الزجاج ومررت يديها من الثقب لتخطف قصاصة ورق ثم تملصت من الجموع وبكل خطوة تمد ذراعها أولا ثم تخطو إلى أن وجدت نفسها خارج الكومة البشرية فأخذت نفسا عميقا من الهواء النقي وتفحصت الرقم المعطى لها: مئتان وسبعة وأربعون.

أطلقت آهة ساخرة، لقد كانت ساذجة حين اعتقدت أن بإمكانها الدخول بالطريقة التقليدية، قامت بجولة سريعة حول المكان وعادت تنظر إلى الحشد الذي يقف بينها ويبن الباب، العيش كالعوام مزعج حقا، عضت على شفتها راغبة بأن تدخل مندفعة وتطيح بأي أحد منهم وتنتهي من كابوس الانتظار هذا، ثم رأت شيئا لم يخطر على بالها للحظة، رجل شيخ يلقي التحية على عامل بالمعبر ثم مرر بسلاسة وهو يسلم عليه نقودا، أوه كيف لم أفكر في ذلك؟

ألقت التحية على العامل، رجل عبوس متوسط العمر بوجه سمين لزج ونبتت عليه تجمعات من الشعر الأسود والشائب على ذقنه، ارتدى تحت سترة برتقالية مخصصة للموظفين قميصا قصير الأكمام، مفتوح الأزرار من الأعلى حيث يطل زغب صدره متلبدا والأزرار السفلية تستميت لتشد كرشه المدلوقة إلى الخلف حيث ترنح المسدس في جرابه. لم يعرها اهتماما وبتوتر مدت بعض النقود محاولة إخفاءها تحت كمها فقال: «ماذا تريدين؟»

ـــ «لدي حالة طارئة وعلي العودة قبل موعد الحافلة»

ـــ «أنت ما عندك أبوك ولا أخوك يستروك؟»

تفاجأت من ردة فعله، هل لا يقبل الرشوة كما اعتقدت أم أنه لا يقبل الرشوة من النساء، فأجابت: «الله يرحم الوالد من زمان وما عندي أخ»

فتنهد بحسرة قائلا: «إيه والله على البلد التي صارت كلها نسوان» لوح بيده خلف ظهره وأشار إليها بعينه ففهمت قصده وأعطته بعض الليرات التركيشية فلا أحد يقبل الليرات المحلية بعد تدهور قيمتها، فقال الكهل: «الله يلعن أمريكانا وأشراريل، بسببهم صارت كل المعاملات بالدولار» الفاسق يريد رشوة، وبالدولار أيضا؟ سحبت خمس دولارات فعض على شفته قائلا: «ثمن البرميل ارتفع إلى خمس دولارات، الله يلعن أمريكانا على هذا العمل، الواحد فينا يلزمه برميلين لكي يعيش»

فكرت للحظة أن تسحب مسدسه المتدلي وتفرغه بين عينيه غير أن يدها ابتعدت عنه وسحبت النقود المنكمشة وعدت عشرة دولارات كاملة. خبأ المال تحت حزامه وقال: «اليوم الحرارة مثل حرارة جهنم هذا الجو لا يناسب حرمة صغيرة مثلك، تعالي معي»

تمتمت وهي تتبعه: «فلتحترق في جهنم بإذن رب العالمين»

ـــ «أقلت شيئا؟»

ـــ «الله يحفظك ويحفظ أولادك بإذن رب العالمين على طيبة قلبك وسعة صبرك» ورفعت يديها إلى السماء مكملة: «آمين»

ـــ «تجيدين الكلام، أهلك عرفوا كيف يربونك» وأخذ قصاصة الورق الذي عدل عليها رقم الدور وورقة الهوية أيضا، «أخبريني شيعية أنت؟» فهزت رأسها بالنفي واطمأنت فهذا عنى أنه لم يتمعن في المعلومات الشخصية على الهوية كسابقه وأكمل: «الحمد لله، كما يقولون كوني يهودية ولا تكوني شيعية أو نُصيرية، على الأقل لو أنك يهودية لذهبت لأشراريل الذي أصبح البلد الحر حسب ما يقولون، إنه آخر الزمان إيه والله، والقيامة ستقوم عما قريب. أنا أهلي يريدونني أن أتزوج بنت ناس، سنية تخاف الله، متزوجة أنت؟»

فهزت رأسها نفيا مستغربة من السؤال وقال: «لست متزوجة؟ أفضل شيء أن تجدي رجلا يصونك ويحميك» ثم تنهد بصوت عال وأضاف: «هذا الزمن صار صعب إيه والله» وضغط على آلة صدئة تصدر صوت محرك شاحنة قديمة وأخرج ورقة طبع عليها الختم، وعندما حاولت أن تأخذها منه صدها قائلا: «لما هذه السرعة؟ تعلمين علينا التأكد من بعض المعلومات، فهناك أناس، الله لن يسامحهم على فعلتهم، يأتون بأوراق ثبوتية لأشخاص آخرين، والتي تكون في أغلب الأحيان لأقاربهم الذين توفوا منذ وقت قريب… إيه والله على زمن!»

كان هذا الأحمق محقا من دون أن يعلم، فكل ما يبتغيه هو أن يماطل. وعلت ابتسامة لزجة شفتيه وهو يحاول بخبث التقرب إليها حتى وهي على هذه الحالة، إنها ترتدي عباءة سوداء عريضة وتغطي شعرها، ووجهها يتصبب عرقا من شدة الحرارة، ليس هناك أسوأ من العيش كالعوام كالعيش كأنثى في هذا المكان.

سايرته وفي خيالها تجول أفكار عن كيفية قتله، أفضلها أن تسحب الشال الطويل وتلفه حول عنقه، لن يتطلب الأمر أكثر من دقيقة، أثناءها سينبش الرجل بأظافره أطراف القماش وفي الهواء حتى تنقلب عيناه الدائريتان القبيحتان إلى بياض. وجاءها الفرج عندما ناداه زميل فأعطاها الورقة لامسا ظهرها من الأعلى نحو الأسفل بلطف مقزز.

وأخيرا وجدت نفسها داخل المدينة.

أقيمت عمليات ترميم في ظل وقف الأعمال القتالية، أصلحت بعض مرافقها ومن بين العمارات وعلى الأرصفة تراص الباعة المتجولون وأصحاب المحال يعرضون سلعهم ويصيحون بتخفيضات حصرية. التقط أنف زهراء رائحة لذيذة في الأجواء دغدغت شهيتها فاشترت سندويشة فلافل وشراب عرق السوس الذي ليس له في مثيل في روي الظمأ، وحفنة من المكسرات، وخمس قطع من حلوى البسبوسة حتى أن البائع سألها إن كانت ذاهبة لزيارة العائلة من كثرة ما تحمله من الطعام، فاكتفت بالابتسامة وتناول قطعة من الحلوى، ربما اقتنت الكثير لكن قد تمر ساعات قبل أن يظهر الهدف.

اختارت إحدى العمارات ذات أربع طوابق ودخلت كأنها تملك البناية، كان عند المدخل بواب عجوز أشبه بجثة هامدة، عيناه ناعستان وأذناه منشغلتين بالراديو وكأس من القهوة يرقد بين يديه. وعند أسفل السلالم، توسد طفل نائم كيسا أسودا ممتلئا بعلب المحارم التي يبيعها، وقبل أن تصعد وضعت سندويشة الفلافل وقطعة من الحلوى أمامه، فقد يستفيق جائعا، فهي تعرف ألم الجوع.

انتشرت بقع بنية جافة عند عتبة باب السطح وفاحت رائحة العطن من مجرى صرف في الزاوية وقد نبتت من ثقوبه نبتة برية، وتراكم الغبار بين أواني قديمة صدئة مرمية في الأرجاء. كل هذا دل أن أحدا لم يصعد إلى السطح الصغير منذ مدة طويلة وقد أكد الصرصور المنقلب والذي صار يابسا كقشة رأيها.

أغلقت الباب بإحكام، نزعت الشال الطويل أولا ومسحت جبهتها، فقد ارتفعت حرارة الطقس فجأة هذه الأيام وحل أيار هذه السنة بموجة حر غير طبيعية، منبئا بصيف حار وطويل. خلعت العباءة ورصتها جانبا أسفل الكيس، فتَحْتها تمنطقت زهراء بحزام جلدي علقت عليه قسمي البندقية الأمريكانية ولوازمها، إلى جانب مخزن الذخيرة والمنظار.

وبدأت بإعداد منصة الإطلاق، جمعت أجزاء البندقية وعدلت مسار الرصاصة بتعيير النقطة الحمراء للمنظار حتى يلتقي مع محور السبطانة بعشر سنتيمترات. وضعت أسطوانة سوداء على زجاج المنظار للتخفيف من لمعانه فقد يؤدي انعكاس الضوء للكشف عن موقعها ثم تفحصت صورة الهدف على هاتفها.

كان الأجر مرتفعا خلافا للعمليات السابقة، ومن أجل رجل عجوز لا غير. كانت تعمل مع زميلها أبي سلمان الذي يتواصل مع المستأجر ويحصل على اسم وموقع الهدف وصورة له. الاسم المرفق بالصورة كان ‘كنعان بن خضرة‘. كان اسما غريبا بعض الشيء.

لم يكن لديها فكرة عما صنعه العجوز ليستأجر أحدهم قاتلا مأجورا للتخلص منه. ولكن عليها تنفيذ المهمة لتحصل على المبلغ كاملا.لابد أنه أغضب الأشخاص الخطأ، هكذا أوقفت أفكارها. فمن أجل تحقيق غايتها عليها جمع مبلغ من المال للبدء بتنفيذ عملية تحرير العم أبي يزيد. ستفعل كل ما يلزم من أجل ذلك وإن كان التخلص من عجوز هرم وعادت تقرأ الاسم ‘كنعان بن خضرة’.

لم تبعد عينيها طوال فترة انتظارها عن الموقع الذي يبعد كيلومترا ونصف وهي تمضغ الطعام بروية.

من السطح امتدت السماء إلى ما لانهاية، أطلت على التلال الخضراء التي تحتضن مدن وقرى محافظة إيبلا وشوارعها، الجديدة منها والقديمة، العالية والمهدمة، بينها أزقة متشعبة وطرق مزدحمة وأخرى خالية مهجورة. تركت الحرب آثارها على أجزاء منها لونته بالرمادي الشاحب امتزج بخضرة ربيع قصير، لكن هذا لم يمنع السكان بأن يغرسوا شتلاتهم على النوافذ وفوق السطوح ترافق الغسيل وخردتهم التي لا يستطيعون التخلي عنها.

وخلف سور من الآجر الأحمر، يحيط بأرض معشوشبة تناثرت على أطرافها شجيرات برتقال، علا الغبار من عجلات سيارة سوداء فخمة، توقفت في المكان من دون أن يغادرها أحد. قربت زهراء عدسة المنظار أكثر لتر من في داخلها، كان هناك رجلان في الأمام وآخر يجلس في المقعد الخلفي من ملابسه يبدو أنه رئيسهما. وبعد لحظات دخلت سيارة كاديلاك زرقاء، فترجل سائق السيارة السوداء أولا وفتح الباب الخلفي لسيده، كان رجلا قصير القامة بشعر كستنائي خفيف، وظب سترته ثم أزال نظاراته الشمسية.

أما السيارة الزرقاء فقد خرج سائقها أولا وقام بنفس الشيء إلا أنه ساعد سيده العجوز على النزول. وقف منحني الظهر واضعا كفيه على عكاز خشبي مصقول. تزاحمت التجاعيد في وجهه الدميم وتضعضعت ثنايا الجلد بينها، يتوسطها أنف معقوف كبير تحته شارب أبيض مرتب، أضفى مع الحاجبين الكثين وقارا وهيبة. كان يرتدي سترة بيضاء عريضة وسروالا رماديا يصل إلى منتصف حذائه الييطالي.

نظرت زهراء إلى صورة الهدف مرتين على هاتفها، مرفقة باسم بدون لقب: كنعان. هرشت شعرها في حيرة، تساءلت لما أحد يريد قتل رجل في عمره، فنوبة قلبية وشيكة ستفي بالغرض، لكن ما شأنها فهي في حاجة إلى المال. موضعت رأسه بمركز العدسة، وبما أنه عجوز لم يكن يتحرك كثيرا.

وفي لحظة رفع بصره إلى الأعلى في اتجاهها ونظرة مريبة في عينيه المبيضتين.

أبعدت عينها عن المنظار وجلة ثم جابت ببصرها في زوايا السطح وأرهفت السمع خوفا أن يكون أحدا يتعقبها. لا تكوني سخيفة، فقد تهيأ لها ذلك بالتأكيد.

صبرت أكثر وراقبته يتبادل مع رفيق موعده حديثا الذي يبدو سريا ليقيماه في موقع كذاك. كان رفيقه ذي البذلة السوداء المخملية ينفخ في السيجارة الكوبية، مرة يقهقه ومرة يدور حول نفسه رافعا يديه أما هو فيهز رأسه موافقا ثم يتحدث.

تصافحا وقد بدا أنهما انتهيا من حديثهما، وضعت سبابتها على الزناد وقبلت البندقية هامسة: «أنا واثقة بأنك ستؤدين دورك على أكمل وجه» كانت زهراء تصيب الرأس دائما، تصوب نحو الهدف فتأخذ شهيقا وبلمسة ناعمة على الزناد عند الزفير تنطلق الرصاصة في المسار الذي حددته.

وانفجر دماغ العجوز متطايرا على هيكل السيارة في دهشة من معه. وظبت أغراضها بسرعة وأعادت المكان إلى ما كان عليه دون ترك دليل على وجودها فيه وغادرت سعيدة لحصولها على نقود سهلة كهذه.

*******

[«الفصل الأول: المقطع الثالث_ قيامة عشتار»]