لعنة طبريا الجزء الأول: السماوي والتابوت

سورمادا 1964

كان له مظهر فريد من نوعه، الجبهة العريضة والرأس الكبيرة على كتفين ضيقين. راقب المخلوق الأبيض، بملابس مزعبراتي مهرج، راقب بمتعة، كم يحب التفرج على البشر…

نزع من سماه والداه علي حامض الرفاعي جزمته العسكرية، وغمس قدماه في ساحل بحيرة طبريا. إن ماءها منعش عذب، بلون بلوري، على سطحها طبقة سحرية. التفت خلفه ناظرا للحاجز العسكري على بعد عشرة أمتار لا غير، كان طوله ثمانون كيلومترا، المدى الفاصل بين سورمادا وشمال فلستينا الذي أصبح جزء من أشراريل. تمعن في بلل البسطارات العسكرية للجند، لمرافقيه وتابعيه والضباط الذي يمرون لمهماتهم على مسافات قريبة منه.

لعنة طبريا

1. لغز بحيرة طبريا

برقت ذكرى في رأس حامض (حافظ)، ذي الرتبة العسكرية الرفيعة فهو المقدم الطيار المحترم، كانت ذكرى أول رحلة إلى دمشقيتو، كان فتى ريفيا مملوء بالحماس والدهشة حينما وقف إزاء أول عاصمة في التاريخ وبنيتها الهندسية النجمية وشوارعها التي تتجاوز أمجادها، قادتها، المجلدات التاريخية، وسكانها المتمدنين المتعجرفين. وقف بالطابور، لم يكن طابورا بمعنى الكلمة فهو زحام بشري شديد في دائرة معوجة. لم يكن علي حامض الرفاعي شديد ذكاء، لذلك درس بكل جهد وقد كان جهدا مضاعفا، ففي مدينته الساحلية الريفية لا تتوفر سوى على مدرسة واحدة تنعدم فيها كل الوسائل للتمدرس…

حصل على شهادته الثانوية بميزة مقبول، وسافر إلى هناك للتسجيل في جامعة دمشقيتو بكل فخر. وصله الدور أخيرا، وقف أمام الشباك الصغير، الذي يطل منه موظف شاب بعوينات شفافة، بشرة بلقاء وشارب دقيق ونظرة دمشقية متعجرفة. مد له حامض ورقة، ورقة صغيرة خط عليها بقلم حبر معلوماته ومعدل نجاحه وميزة مقبول. كانت متجعدة، فلقد رمى بها والده عندما سمع أنه ذاهب للدراسة بعاصمة البلاد. إن له منزل صغير ليس ببيت إنه أشبه بكوخ أو خيمة، ووالد لم يعتبره والده وأم ميتة تتنفس. قال بلهجته السواحلية التي كشفت عن خلفيته الريفية لمن حوله بثقة، وإن كانت نظرة واحدة إلى ملابسه كافية: “جئت للتسجيل، خيو”

ألقى الموظف نظرة خاطفة على الورقة وأطلق أنة ساخرة ثم رمى بها إلى وجه حامض قائلا: “ما عندي وقت لهيك لخبطة، روح يا عمي هذا المكان ليس لك، روح دبر لك مكان بالجيش أو بشي محل الثاني”

التقط حامض الورقة من على الأرض، في جزء من الثانية انصدم ثم حزن ثم غضب ورد على الموظف: “راح تشوف يا زنيدق، را يا تشوف” علت ملامح صدمة على الموظف وضحك من حوله، فزنيدق كانت تطلق على كثير من سكان دمشقيتو في الخفاء في الإشارة إلى أن بعضهم من أحفاد النساء اللاتي اغتصبهم جيش هولاكو، فعندما واجهته المدينة بحصار طويل، اقتحمها بالقوة وقتل كثيرا من رجالها وسبا فتياتها وغلمانها.

انضم علي حامض الرفاعي للجيش كأغلب شباب قريته النصيرية فلم يكن أمامهم خيارات كثير: يا إما الجيش يا إما الفلاحة. شق طريقه صعودا بجهد جهيد وكثير من القسوة والخداع التي لم يندم يوما على استخدامهما. وهنا، والبحيرة والسماء شاهدون عليه، سيشق طريقه إلى القمة لكيلا يفتح زنيدق فاهه عليه ولا أحد من سكان دمشقيتو المتعجرفة سيقدر أن يقلل من شأنه بل كل أهالي الساحل والنصيرية. كان مهووسا، ضائعا، حانقا… النوع الذي يفضله المخلوق الأبيض. وضع القناع النحاسي ورن بأجراسه المعلقة على قصبة خيزران متكوما في زي المزعبراتي المبهرج.

أطال حامض التأمل في البحيرة الصافية، أشراريل قادمة من أجلها ومن أجل هضبة اليولان بأسرها لأنها أرض ذي ثورة مائية وزراعية كبيرة، والأهم أنها موقع عسكري حيوي، فمن أعلى الهضبة يمكن رؤية الأراضي الفلستيناوية بالعين المجردة. لكن حامض ليس مجرد عسكري عادي، أشراريل فعلت ما فعلت لتصل إلى هنا، إلى الهضبة، إلى البحيرة تحديدا، إنها فكرة غير منطقية لكن حامض، في لحظات معينة، كان يرمي بالمنطق عرض الحائط، وحدسه يوحي له بأن هنالك غاية أخرى. المياه… دس قدميه القصيرتين أكثر في البحيرة، حجم المياه فيها هو خمس إلى عشرة كيلومترات مكعبة، مياه تكفي لدولة كسورمادا لمدة سنتين، ثلاث سنوات على الأكثر؟ إنه ليست ثروة مائية حقيقية، إنها خيار استراتيجي بالدرجة الأولى، المياه… هذه المياه مختلفة، وجثا على ركبة واحدة، وخلخل أصابعه فيها، شفافة نقية، حلوة عذبة عندما رشف منها إلى لسانه. إنه فضولي أيضا، مثل ‘المزعبراتي’ الذي غطى ظله الشمس عن ظهر حامض.

رفع حامض عينيه من تحت حاجبيه المقوسين، “هيه، ماذا تظن نفسك فاعلا؟”

رد الأبيض بلسان حلو: “ابني، أنا مزعبراتي، فنان جوال، هل هناك معركة هنا؟”

دنا أحد مرافقي حامض: “أنت كيف دخلت إلى هنا؟”

فأوقفه رئيسه: “حسابكم بعدين” ورفع يده: “اذهب يا ختيار، هذه أرض عسكر”

رد المخلوق الأبيض: “اعذرني، كل ما هنالك أني عطشان” وانحنى المزعبراتي يملأ جرابه فيما دندنت الأجراس لحنا على أثر هبوب الرياح. قال: “إن الماء هنا له حلاوة خاصة. حرام أنها ستجف وفق ما قاله رسولكم، أنت مسلم، أليس كذلك؟” لم يكن حامض مسلما، إنه شيوعي اشتراكي بعثي، وإن كان يدرك بأن عليا كان الأحق بالنبوة، وأن أولاد طائفته النصيرية لهم دماء مكرمة وروح مقدسة لأن أسلافهم من الملائكة النورانية. استرسل المزعبراتي: “ذكر رسولكم أنه بآخر الزمان، ستجف البحيرة، وأولئك..” ثم أشار إلى جنوب سوريانا أو أشراريل: “وأولئك ينتظرون يوم تجف”

وأمسك كريات صغيرة من الماء تتمايل على كفه، جعلت حامضا ينتفض: “قول بسم علي، أنت ساحر”

ـ  “أكرر، أنا فنان متجول. السحر في هذه المياه، الطاقة تنتقل من هناك..” ولوح نحو قمة الهضبة: “وتنزل إليهم” أووف، لقد تفوه بالكثير.

قال حامض في نفسه: “هذا رجل ماكر” ابتسم المزعبراتي، فرجل طبيعي سيقول إنه كاذب وليس ماكر. دس الجراب في جبه ومضى على رنين الأجراس وتمايلت أقمشة ملابسه الحريرية. استغرق حامض بعض الوقت قبل أن ينادي ضابطا وأمره هامسا: “اتبع ذلك الرجل واعرف مسكنه وقرنته ومن خلفه وكل شيء عنه”

قهقه المزعبراتي، إنه بحق بشري فضولي مهووس، إن كان حقا هو من سيسلمه القناع فستأتي به الأقدار إليه ثانية. وصعد منحدر الهضبة الخضراء مندمجا مع سيول الطاقات المندفعة من قمة ‘مجدل شمشو’. رفرفت الطيور مبتعدة وأطلقت أغنام أصوات غثاء مرتجفة، والراعي سارح يعد السحب ويرجو قطرات مطر في موسمها، فالبشر لا يستشعرون وجود الأبيض إلا قلة منهم، لا يكترثون إلا بمن هم على مادتهم. غربت شمس وأشرقت شمس والأبيض يطوف بين حقول الطاقة من بين دوائر رجم الهري (أسوار حجرية على شكل دوائر بأحجام مختلفة تقع في الجولان).

رجم الهري_لعنة طبريا

كادت الشمس تغرب عندما لمح الأبيض حامضا يصعد الهضبة مع رفيقه طلّاح جديد. وضع طلاح كفه على كتف حامض مشيرا إلى فلستينا: “أشراريل لن تتوقف، ستأتي إلينا عاجلا وليس آجلا..”

ـ “إيه سنقوي الدفاعات، فالأتاسي لن يقبل التفاوض معهم”

ـ “الأتاسي ما أدراه بعالم السياسة” كان طلّاح جديد الأمين العام لحزب البعث والقائد العسكري، كما أنه من يتحكم بمنصب رئيس الدولة فهو الذي وضع الأتاسي هناك ويتحكم برئيس الوزراء الذي كان أيضا تابعه.

تآكل الحسد حامضا على مر السنين، فقد مثل طلّاح كل ما يطمح إليه، إنه أيضا ابن قرية ريفية نصيرية مثله، إلا أنه يعد حامض أقل منه شأنا، ليس منصبا وحسب بل كيانا وهيئة وعقلا وتعليما ونسبا وكل شيء.

تناقش الرجلان في حماس حول المعركة القادمة وكل منهما يضمر للآخر احتقارا مكبوتا، والمخلوق الأبيض يستمتع في التهام طاقتهما السلبية الفائضة، وإن لم يكن الطعم المفضل لديه.

ذهب طلاح أولا، وترك خلفه حامض الذي كان يرمي له بالمهمة الأصعب فيما يكافئه بالفتات. اندست الشمس خلف الأفق وسرح الليل كلص سرق ضوء النهار خلسة. تصاعد عواء من بعيد، وجال في خاطر حامض أن يذهب للنوم وغدا يزور عائلته قبل أن ينغمس في تسيير شؤون الجيش لفترة لا يعلم كم ستمتد. انتابت قشعريرة جلده وقد سمع حفيفا على الأرض يدنو منه.

التفت لم يكن هناك أحد، لا، بل هناك ظل، ورنت الأجراس النحاسية الصغيرة. ظهر المزعبراتي من جوف الظلمة، فتأهب حامض لقتله، فقال المزعبراتي: “إني مجرد عابر سبيل، وأبحث على مكان للمبيت” ارتاب حامض أكثر، فقبل أيام، لم يعثر تابعه على أثر عندما أمره باتباع هذا الرجل. قال حامض في نفسه: “أغلب الظن أنه جاسوس للموساد”

رفع المزعبراتي يده البيضاء: “لا علاقة لي بالموساد”

تراجع حامض خطوة مندهشا كيف قرأ أفكاره: “إنك… لساحر مخادع”

أشار المزعبراتي بسبابته إلى الوراء: “رفيقك، لابد أنكما مقربين جدا، فقد تشاركتما كثيرا من الأشياء” تلفظ عبارته الأخيرة بخبث أيقظت في حامض عقدة النقص وشكوكه، وتلفظ: “أنت تعلم، ابن من أبناءك ابنه

قبض حامض عليه من عنقه، رفع المزعبراتي ضاحكا يده وكريات الماء اللامعة تتطاير من كفه: “رغم كل ما تشاركتماه، فإنه لم يشاركك بسر صغير، سر هذه المياه”

سحب حامض المسدس خائفا، قائلا لنفسه: “إنه ليس ساحر، إنه عفريت”

قال المزعبراتي: “إنك تهينني بهذا الوصف الحقير”

ـ “كيف تقوم بخدعتك هذه يا ابن الشرموطة؟”

ـ “إنها ليست خدعة، فهذه المياه يسهل التحكم فيها، فطاقتها شديدة النقاء كما يحبها ‘الآخرون’

ـ “الآخرون؟”

ـ “رفيقك له أصدقاء منهم، لأن قدر دمائه على كرسي السلطة، مهما فكرت… مهما حاولت…”

ونزع قناعه النحاسي عن وجه شديد البياض كأنه مصبوغ بطلاء لؤلؤي. تعوذ حامض في نفسه: “إنه شيطان، إنه شيطان!” وشعر بالإثارة في جزء من جسده، في تلك المنطقة الحساسة. أخرج المزعبراتي ذراعه التي تتلوى وقبض على حامض من قضيبه الذي انتفخ وتصلب. يمكنه أن يأخذ الطاقة من مناطق أخرى، لكن بدا هذا ممتعا مع رجل شديد الخيلاء كهذا. تسارعت أنفاس حامض، وهو يمنع نفسه من الوصول إلى النشوة لكن هيهات… ورمشت عيناه منغمسا في اللذة، وغدت شفتا المزعبراتي الحمراوين عند أذن حامض لينفث له بالسر: “أتبتغي أن يكون الكرسي لك؟ إليك لغزا إذن، إذا وجدت الحل فلك ما تشاء، اكتشف الرابط العجيب بين طبريا وطلاح وليس حرف الطاء” وأطلق قهقهة عالية… فتح حامض عينيه لاهثا، أفرغ المسدس في وجه المزعبراتي، وجال ببصره مرتعبا أن يكون أحد قد رآه، أما الأبيض فعاد يندمج بين سيول الطاقة مرحا مستبشرا بمسرحية جديدة يتفرج عليها. أوه، هذه المرة لقد تجاوزت الحدود كثيرا، هاهاهاه

*******

2. احفر تحت البحيرة!

أفاق حامض من النوم مرتعبا، كان في الفيلا الصيفية خاصته، التي تقع في جبلة. تراءى له المزعبراتي ثانية، إنه يحلم به كثيرا منذ أن التقاه، أرغم نفسه على قول بأنه دجال شيطان. وضع راحته على قضيبه ثم توارى إلى الحمام بعيدا عن زوجته. كم هو خجل من جسده، كيف يثيره حلم عن ذلك الدجال.

انتظم أفراد الأسرة على مائدة الإفطار وحامض على رأسها، زوجته أنيسة على الجهة الأخرى، كان زواجه بها من مكنه على الحصول على مساندة عائلتها، فترقى في المجتمع والمناصب، إنه يحترمها ويكن لها الامتنان، فهي من أسرة عريقة في جبلة ووافقت على الزواج به لأنها آمنت بطموحاته، فهذه الفيلا ورثتها عن أبيها وتنازلت عنها لتصبح باسمه هو، كما أن تروثها تحت إمرته لأنها تدرك مدى قدراته. كانت أكبر منه بسنتين، لكن هذا لم يكن مهما لحامض، فهو أراد شريكة ناضجة واعية وحكيمة، وليس خادمة. انتظم الأولاد بالترتيب على طرفي المائدة؛ يمنى وبائل، بعار وماجن، تمعن في كل واحد منهم ثم في زوجته. لما ستخونه؟ لأن طلاح أفضل منك، لا، عليه ألا يكون قصير النظر هكذا…

قالت يمنى متذمرة: “علينا إصلاح الصوبا، فالجو أصبح باردا هنا”

قال حامض: “وماذا يصنع أبو عيش؟”

ردت أنيسة: “إنها سليمة، لذلك أمرت أبو عيش بأن يضيف كمية من الحطب والغاز” ضحك المخلوق الأبيض، فقد كان يمتص الطاقة وهو يتفرج على لعبته الجديدة. فلقراءة ما يكمن بنفوس البشر، يحتاج قدرا كبيرا من الطاقة. للأسف، لا يمكنه فعل ذلك إلا على الذكور… الإناث… آخ على إناث البشر. وتمعن الأبيض في أنيسة، يود لو يعرف ما يعتمر داخلها.

وصل ضابط من الجيش، ينتظر في حجرة المكتب. فقام حامض من على المائدة فقالت أنيسة: “لم تأكل شيئا” فلوح بيده بألا تهتم.

حمل الضابط المعلومات التي أمره بجمعها، سأله: “لا أحد شك في شيء”

ـ “لا، سيدي”

ـ “وأنت متأكد، طلاح يلتقي ‘غابرييل فولديهام’ مرة كل أسبوع”

ـ “إيه، سيدي” حملق في صورة فولديهام، إنه ضابط نازي ذي رتبة عالية، التجأ إلى سورمادا بعد الحرب العالمية الثانية، بعيدا عن أيدي الأمريكان وحلفائهم.

كان حامض يراقب طلاح عن كثب قبل أن يلتقي بالمزعبراتي بمدة طويلة، لذلك قرر أن يراقب فولديهام نفسه، وكل من هو مقرب من طلاح.

كان فولديهام يسير إلى البحيرة بفترات مختلفة من الشهر، مرة ليلا ومرة فجرا كيلا يثير الانتباه، يرتدي قلنسوة طويلة كجلباب أسود، هذا ما بينه الجندي المخبر، وأضاف شاحبا: “إنه مريب سيدي، وبعد إذنكم، أستشعر خطرا، ولا يمكنني الاقتراب لوحدي”

لم يكن حامض يستمع إليه، كان يمحص كلمات المزعبراتي في رأسه كما فعل طوال هذه المدة، وتمتم: “رابط بين طبريا وطلاح وليس حرف الطاء”

كان حامض شخصا حذرا ولا يثق في أحد، فأطال مدة المراقبة مستعينا بتابعين مقربين له، أمرهما أن يمشطا كل شبر من البحيرة بغاية السرية بحثا عن أي شيء مشبوه أو غير اعتيادي. استمر البحث لمدة أشهر مما جعل المزعبراتي يشعر بالملل، لقد تفوه بالكثير وهذا الشخص المحبط الحذر لم يقدم على شيء بعد، لكنه اعتاد الانتظار لسنوات، فالأمر دائما يستحق مع هؤلاء الكائنات المسماة: البشر.

وذات يوم كسائر الأيام التي مضت، جاء الملازم بالمستجدات في تقريره الروتيني: “سيدي، كالعادة هناك حركة من بعض القرويين السكيرين، اعتقلناهم بعد استجوابهم” وسلم الورقة والصور له ليضعها حامض مع كومة من التقارير المفصلة، فقد فتشوا كل مغارة وكهف، واستجوبوا القرويين والعابرين بل أمسكوا الحيوانات المارة من هناك، واختبروا التربة، كل هذه التفاصيل حفرت داخل ذهن حامض.

وتململ حاجباه المقوسان بينما استمر الضابط في الكلام ثم أوقفه ممسكا بصورة: “الظل هنا مختلف، عند هذه الصخرة.. هل كان هناك فرق في اللون”

تنحنح الضابط: “أظن.. ذلك.. سيدي”

ـ “تظن..”

ـ “أعني، أجل، لا أدري إن كان سيشكل فرقا”

ـ “الأوامر: كل التفاصيل، فانطق”

ـ “عند أحد الصخور، كان هناك فرق طفيف في لون التربة، وكأنها زحزحت لبعض سنتمترات، سيدي، ولكن هذا مستحيل فنحن نتحدث عن صخرة تزن عشرات الأطنان”

ـ “فتشت من حولها جيدا؟”

ـ “طبعا، سيدي.. كل شيء طبيعي عدا تلك المساحة الصغيرة”

*******

تأمل حامض في البحيرة، ماؤها شديد السواد ثخين، فلا نور في السماء الليلة، سوى أضواء قليلة قادمة من حواجز العسكر المرابطة وضوء الكشاف الذي صوبه أحد التابعين إلى البقعة الصغيرة. أبصر حامض ذلك التغير الطفيف في لون التربة، خمن وفكر وأعاد تفاصيل كل التقارير، وتلوت الأفكار داخل جبهته العريضة والمزعبراتي يتموج فوق سطح الماء يترقب، إن ‘السماويين’ () حريصون فهل حامض يا تراه كما توقعه، ذلك الفضولي الجشع؟

تمتم تابعه: “سيدي، ليس لدينا مسوغ في البقاء هنا إذا رآنا أحد”

دمدم حامض: “أنا المقدم ولاك، من سيسائلني” إنه عضو مهم في حزب البعث، وأثبت نفسه عن جدارة منذ البداية واختير لإرساله لدراسة الطيران الحربي بروشيا من بين مئات الشبان ساعتها، وخاض معارك باسم بلده، وأضحى من نخبة المجتمع، فمن سيسائله. رد المزعبراتي: “هم سيفعلون، السماويون.. لا، سيقطعون رأسك قبل أن تخطو خطوة واحدة” وقهقه فتموج جزء من سطح البحيرة الساكن، فزاد من توجس حامض، وتابعيه لم يستطيعا أن يبديا الرعب الذي أخذ ينمو داخلهما، فهناك قصص يتناقلها سكان المنطقة عن الجن الذي يسرح في هذه المكان النائي من البحيرة.

أمر حامض بصوت واضح: “احفرا هنا، من هذه البقعة”

التابعين معا: “شو؟” “ليش سيدي؟”

ـ “فقط احفرا” وأشار إلى البحيرة: “بهذا الاتجاه”

رد أحد التابعين: “بس سيدي، إذا حفرنا بهذا الاتجاه فلن نجد إلا الماء”

ـ “أتناقشني يا جندي؟”

حفر الجنديان لمدة طويلة دون توقف، وحامض ينتظر، حدسه ينبئه، سيظهر شيء ما، شيء فريد سيجعله يتغلب على طلاح. وتردد اللغز: ‘الرابط بين طبريا وطلاح وليس حرف الطاء‘ كلما تعمقت الحفرة امتلأت بمياه البحيرة، ونظر التابعان إلى سيدهما منتظرين أن يأمرهما بالتوقف والعودة لكن حملق فيهما فعادا يرشفان الطين والماء، الأول يضرب الأرض بالمعول والثاني يبعد الخليط الطيني بالمجرفة والماء ينهمر عليهم من البحيرة، وتكونت بركة إلى حد ركبهم. وفجأة انبلع الماء مرة واحدة، أبعد حامض الجنديين من أمامه. انكشف سلم حاد ملتوي فانطلقت ضحكة مكتومة من فمه، فهو على وشك وضع يده على سر كبير.

اختفى المزعبراتي ورمى بقناعه، فهو ليس بمغفل ليدخل إلى ذلك المكان الملعون، إن كان قدر الرجل رؤية القناع فسيعيش. وإن لم يره، فسيفتقد الأبيض لعبته إلى أن يعثر على واحدة جديدة.

*******

3. فالديهام والقرد الأزرق

نزل الثلاثة السلم الملتوي، درجاته صغيرة ضيقة تصدر صريرا تئن من ثقلهم. بآخره، امتد نفق طويل مضاء بمصابيح صغيرة خافتة، وعلى الجانبين بالأعلى، شدت كابلات كهربائية سميكة وأخرى نحيفة إلى آخر النفق الذي يبدو للداخلين كهوة سوداء عميقة. سار أحد الجنديين مجهزين سلاحهما والكشافين وحامض بينهما ماض وهو يتفحص كل شبر من هذه الأرض الجديدة. كان يستشعر قدميه ذاهبتين في اتجاه منخفض، إنهم ينزلون أكثر وأكثر. وكلما استمرت الطريق بدون عوائق، تبدد الخوف والرهبة عن الجنديين، وعلق أحدهما: “سيدي، أعتقد أن هذه النفق تخفي في آخرها كنزا، سمعت القصص، إنه ذهبُ الأولين، هكذا كانوا يخفونه عن الأعين”

رنت كلمة ذهب في أذن حامض كرنين أجراس المزعبراتي، طلاح كانت له أملاك داخل البلاد وخارجها، لا يتردد في صرف الملايين ليشتري السياسيين والمناصب، إذن هذا سره. فقد وضع يده على كنز، ثم فكر أنه لم يكن عليه الإتيان بجنديين، ولذلك عليه التخلص من أحدهما. حول عينه إلى الأخير، الصامت الذي ينفذ دون أن يعقب، ثم إلى الأول، سيتركه في مقدمة الطريق، فإن كان هناك فخ، فسيكون الطعم.

همهم صوت للحظة وهدأ، توقف الرجال مترقبين شاعرين بهبوب ريح ثم صوت هادر كقرقرة بطن فارغة. استعد حامض نفسيا، فما سيراه سيكون مخيفا، ما هو مقبل عليه خطر يجب تجاوزه ليغدو الأول في البلد وهذا هو الثمن. استشعروا شيئا يمضي نحوهم من الأمام، غمغم الثاني: “سيدي، علينا العودة”، سيتخلص من الثاني الجبان وليس الأول إذن. أمر حامض: “جهزوا أسلحتكم”

عينان ذهبيتان، وفك طويل بأسنان بحجم رؤوس الفؤوس، كان مخلوقا أشبه بسحلية بطول خمسة أمتار وتزن أكثر من مئتي كيلوغرام تسير على أربع قوائم قصيرة وذيلها الضخم يترنح في استعداد للانقضاض. سحب حامض سلاحه صائحا في الجنديين المبهوتين: “أطلقا النار، هيا أطلقا!” ارتدت الرصاصات عن جلدها السميك، عندها ومن دون تردد دفع حامض بركلة التابع الثاني نحوها، فأطبقت فكها على رأس الجندي وجزء من كتفه، هزت جسده يمينا وشمالا وهو يقاوم بينما هي تلتهمه حيا شيئا فشيئا. تراجع حامض خطوات بحذر والجندي الأول تسمر بمكانه وصرخة اختنقت في حنجرته بعينين شاخصتين.

لازال الثاني يقاوم بجوف فك السحلية التي انشغلت بتكسير عظامه لتبتلعه، من خلفها رمق حامض ضوء. لكز تابعه الأول وهمس له: “اجري إلى الأمام” هز رأسه رافضا التحرك: “تحرك وإلا التهمتنا يا حمار”

تحركا بهدوء وظهريهما إلى الحائط، متجهين نحو مصدر الضوء، انعرج الطريق قليلا ثم انحدر فتدحرجا الرجلان لمسافة أمتار. أعمى ضوء شديد عيني حامض ثم وقف مبهورا. تمثل أمامه حاجز من ماء داكن لزج وكأنه مستنقع عمودي، تنفجر منه فقاعات ساخنة.

دمدم الجندي وهو لايزال على ركبتيه: “سيدي، هذا مكان مشؤوم، سيدي، أظنه مسكن.. أنت تعرف.. الآخرون”

ـ “أنت محق، الآخرون” فذلك الحاجز أمامه ليس من صنع بشر بالتأكيد.

نهض الجندي ناظرا خلفه، السحلية لازلت منشغلة وأعاد: “سيدي، فلنرجع”

ـ “تقدم”

ـ “ماذا…”

شهر سلاحه في وجهه: “مرر يدك من هنا”

تحت تهديد السلاح، دنا الجندي بيده نحو الحاجز وغطسها بروية شيئا فشيئا ثم دفعه حامض بغتة فابتلع الماء السميك الجندي بالكامل، انتظر لحظة ليرى هل سيصدر صوتا وهل سيتمكن من الخروج. سمعه يبسمل مرة تلو الأخرى. فدس حامض يده أولا، ثم نصف وجهه ورأى قاعة حجرية. فتجاوز الحاجز، وقد ابتلت ملابسه بمياه زنخة أشبه برائحة السمك المتعفن.

الجدران عبارة عن آلاف وآلاف من الخلايا السداسية كالتي تكوّن قفير النحل، سقف شبه مخروطي، والأرض عبارة عن بركة من سائل لزج، كان في الأصل مياه تأتي من بحيرة طبريا، امتزجت بخلاصة من المواد المنصهرة من الجدران تصل في الأنابيب السوداء السميكة الضخمة والتي تلوت كأفاع في متاهات تنتهي عند وسط المكان حيث يوجد تابوت ضخم من الجرانيت المصقول. تمتم الجندي: “سيدي، هل هذا ما تبحث عنه؟” لم يكن لدى حامض فكرة عن كينونة هذا الشيء إلا أنه يتجاوز حدود البشر.

تفرقعت فقاعات من الجدران، واحدة تلو الأخرى، جهز الرجلان سلاحيهما، هناك شيء ما يراقبهما، دمدم الجندي: “أنا سأعود أدراجي، أذا أردت أن تقوسني، فسأفعل بالمثل” ووجه سلاحه نحو حامض، أخيرا فهم أن كلاهما مجرد رجل مسلح في هذه البقعة من العالم، الخادم الأحمق. تقدم نحو حاجز الماء العفن، ثم توقف وبصره شاخص نحو الأعلى. فقد انبثقت أطياف سخامية تقهقه وتصيح مسعورة؛ جن أو عفاريت أو أشباح… لا فرق، فقد ارتجف كل منهما من الخوف البارد وتجمد الدم في عروقه. أطلق الجندي النار عليها بدون فائدة، ثم أطلق صيحة قوية عميقة حين تلبسته وأخذ لونه يشحب وعيناه تجحظان وعروقه الزرقاء تتضخم.

مضى حامض نحو الحاجز وتجاوزه فوجد السحلية تنتظر، بطنها تكور وسنها قد علق عليه جزء من إصبع قدم. أفرغ الرصاص عليها ثم رمى المسدس الفارغ دون فائدة. فعاد يقطع الحاجز وتكور عند الجدار وقدميه عند حدود البركة ذات السائل العفن، والأطياف تمضي من أمامه تصيح وتبتسم له. أخذت يداه تنقبضان ولون جلده يتحول، وشعر ببرودة شديدة تخترقه من الداخل، ونظر إلى تابعه الذي أصبح كتلة لحم متعفنة، تعفنت في لحظات، اخضرت أجزاء منها وتسرب سائل كالقيح من محجري عينيها. سيموت، سيموت لا محالة، سيموت… وقبض على يديه، يبكي، كيف له أن يموت ولا شيء ينتظره… ولمح شيئا يلمع عند قدميه، إنه نار، قناع من نحاس على سطح بقعة من نار، النار ستدفئه، هذا كل استطاع دماغه أن يلتقطه من المشهد. وقبض على القناع الذي يغلي، كان ساخنا يحرق يديه المنقبضتين لكنه لم يطلقه، لم يطلقه…

انفتح جزء من جدار، على شكل بوابة خفية. دخل رجل يرتدي جلبابا بقلنسوة… كان حامض منبطحا على بطنه يحضن القناع الساخن كأنه آخر أمل له، لم يتململ. أزاح الداخل القلنسوة عن وجهه، برقع صدغه بعروق حمراء متصلبة، وجلده شاحب يميل إلى زرقة المياه، به بثور متقيحة على ذراعيه ووجهه، لا يملك حاجبين ولا أسنان ولا شعرا على رأسه. ورغم كل هذه التفاصيل من عالم الجن والعفاريت إلا أن ملامحه لم تخفى على حامض، فمن بمواجهته كان ‘غابرييل فالديهام’ نفسه.

*******

سأل فالديهام: “من أوصلك إلى هنا؟” نطق بلغة جرمانية إلا أن حامض فهم المعنى دون أن يدري كيف.

أجاب مرتبكا بلهجته السواحلية الأم متناسيا الشامية الأصيلة التي عود نفسه الحديث بها: “غريبة… البحيرة، أقصد ماؤها.. وأشراريل هناك”

فحص فالديهام جثة تابعه بعينه وقال: “كنتم ثلاثة، هاذان خادمين لديك، ما كان اسمهما؟”

ـ “شو؟ اسم… الأول عريف صف…” لم يستطع تذكر اسم أي منهما، فحامض كان يعين لكل من تابعيه رقما على الملفات التي يجمعها عنهم، ليعوض عن ذاكرة حفظ ويسهل عليه ربط المعلومات ليتذكرها.

ـ “ألا تعرف اسم أي منهما؟”

كلم نفسه: “لا، أعرف، أقصد.. الأول رقم 131 والثاني 54” محاولا تذكر اسمهما.

علق فالديهام: “لم تكبد نفسك عناء حفظ اسميهما، ولم تتردد ثانية للتضحية بهما عند الحاجة” كان حامض لازال منبطحا يتمسك بالقناع لكيلا يفجر البرد قلبه.. الدفء، الحرارة، هي كل ما يبتغيه الآن. سأل فالديهام: “من أوصلك إلى هنا؟ وما غايتك؟ وفقا لجوابك سأقرر مصيرك”

ـ “سيد فالديهام، أنا ضابط بالجيش العربي السورمادي، أنا نائب طلاح جديد…”

ـ “أعرف من أنت، ليس هذا ما أريده” كان صوته كأنه يتحدث عبر بوق معطوب.

تحلقت الأطياف السخامية حول حامض الذي زاد ارتجافه، فرد بصراحة مطلقة: “التقيت مزعبراتي ساحر ومد لي لغزا، الرابط بين طلاح جديد وبحيرة طبريا، بحثت وعثرت على هذا المدخل، لظني إذا عثرت على سر طلاح فسأتجاوزه”

ـ “طلّاح جديد ذلك الجوييم الهجين، لا علاقة له بهذا المكان، ولا يمكن لحشرة مثله أن تقترب من هنا دون علمي” عض حامض على شفتيه بحسرة، المشعوذ الحرامي خدعه. سأل فالديهام: “أنت مقرب من طلّاح وتعرفه جيدا، ما رأيك به؟ أسيذعن لأشراريل أم سيكون كعبد الناصر؟”

ـ “طلّاح كعبد الناصر سياسيان فاشلان”

ـ “وأنت لست كذلك؟”

دس حامض القناع تحت بزته ونهض على ركبتيه فهذا كل ما استطاعه ورد: “سادة أشراريل وضعوا عينهم على هذا المكان، وأنت لورد فالديهام، لم يعجبك يوما تعنتهم. سيهزمون طلّاح وأتباعه وسيدوسون على عبد الناصر، وسيأخذون الأرض وما عليها”

ـ “وأنت ستهزمهم”

ـ “وهل تريدني أن أهزمهم؟ أشراريل لا يمكن هزيمتها وأمريكانا وراءها. أتعلم أفضل طريقة لتبعد الحرامي عنك؟ أن تجعله يظن أنك لا تملك شيئا وأنه يملك كل شيء”

دار بؤبؤي عيني فالديهام الزرقاوين وقال: “دعني أحزر، تريد أن تكون الرئيس”

ـ “ومن لا يريد ذلك؟”

ـ “النصيريون تشبهون قوم الصهاينة حثالة العبرانيين الحثيين”()

ـ “لا أبدا، نحن قوم ذو شرف”

تحرك فالديهام يطفو على الماء ويديه خلف ظهره قائلا: “إنكم لا تعرفون أيها القوم المتأخرون، أسلافكم كانوا من الهجناء، الفرنج والحثيون والصمائلة، حملوا دماء ‘السماويون’ لكن الدماء الحمراء تغلب دائما، دماؤها… المخلوقات العفنة. طلّاح أظهر دماء زرقاء، أبهجني الأمر.. لمدة قصيرة… إنه قرد أحمق في الأخير. أظهر لي دما أزرقا”

أعاد حامض مرتجفا وقد ابيضت شفتاه وتحجرت قدماه: “دما أزرقا؟”

ـ “جسدك لا يمكنه، لكن أفعالك يمكنها.. أخبرني لو أعطيتك كرسيا، ماذا ستصنع لي؟”

ـ “سورمادا ستكون لي، وجوفها سيكون لك”

انطلقت ضحكة قبيحة جعلت فالديهام يبدو كتلك الأطياف العفريتية: “أتقسم معي الحصص؟ جوفها كله لي؟ أتعرف ما في جوف الأرض أيها القرد الأبله؟ أنا من خيرة ‘السماويون'”

ـ “سماوي وتعيش بجوف الأرض؟” جحظت عينا فالديهام بغضب ولملم حامض خوفه وتفاوض قائلا: “أنت سماوي، إذن تريد أن تعيش كذلك. ولكنك غير قادر على التصرف بحرية، أنت في سباق وتحتاج لحليف لك هنا، بسورمادا… فسورمادا لم تغب يوما عن صفحات التاريخ وأنت أدرى بذلك، لذلك فهي مهمة لكم كثيرا، كثيرا” واختلط الحماس والارتعاش بجوف حامض ووقف على قدميه: “احكم سورمادا وستحكم فلستينا، احكم فلستينا، والشرق لك، احكم الشرق والعالم لك”

دمدم فالديهام بعبوس: “إنك أزرق أيها القرد” وابتسم.

*******

4. فالديهام: السماوي الساقط

تآكل الفضول والحيرة المخلوق الأبيض (المزعبراتي) بهيئته الطاقية وهو يجوب داخل أفكار الضبع، ذلك المكان الملعون اتضح أنه قاعدة سرية للسماويين يشرف عليها فالديهام نفسه، السماوي الساقط. وسبح في حجرة المكتب حيث علق القناع النحاسي على بقعة من جدرانها كزينة. دبت البرودة في جسد حامض فأعادت تلك الرجفة التي انتابته حين اعتقد أنه انتهى. أمر الخادمة بغلق النافذة غارقا في تخيل تأثير ما عثر عليه، رأى بنفسه ما لم يكن سيصدقه ولو في مئة عام.

وانجرف في تعداد الاحتمالات التي صارت بين يديه، لقد كان عند مفترق طرق مصيري، وعليه لعب الأوراق بقوة ومن دون مماطلة لذلك قدم دعوة لفالديهام، دعوة عشاء سري بينهما في منزله في جبلة. لا أحد هناك غيرهما وبعض الخدم حيث أبعد أفراد عائلته عن المكان. أما المزعبراتي فغادر الأجواء، فلا قبل له بمواجهة أحد السماويين وهو المخلوق المحايد، أو طبيعته المفترضة.

تناول فالديهام الطعام كبشري طبيعي، شكله وملابسه وتصرفاته، لا شيء يوحي بما رآه حامض تحت بحيرة طبريا لحد أن حامض بدأ يشك في ذاكرته. قال فالديهام: “أتعلم لما قبلت دعوتك أيها القرد؟”

ـ “مهما تكن الأسباب سيد فالديهام، فقد شرفتمونا بحضوركم”

رشف النمساوي النبيذ ورد بنظرة باردة من عينيه شديدة الزرقة: “أريدك أن تبهرني، أرني ما لديك، وسأحكم حينها”

كان الضبع مدركا ما يكمن خلف تلك العبارة، فهو دخل إلى مكان لم يكن عليه أن يعلم بوجوده، فإن لم يكن على قدر كلامه ويثبت فائدته فستكون نهايته. إلا أنه لم يسمح لنفسه أن ينجرف في الخوف والارتباك، بل عليه أن يغتنم ما وقع ما بين يديه. قال: “سيد فالديهام، ألا تسعى لتذهب وتروح كيفما ترغب بدلا من التواري عن الاستخبارات الأمريكانية؟ ألا تفضل أن تكون تحت إمرتك قواعد مسلحة ومدرعة بدلا من قاعدة صغيرة”

أسند العجوز خده على يده قائلا بملل: “لطيف جدا أن تعتقد أنك الوحيد الذي تقدم لي إغراءات”

رسم حامض ابتسامة لفترة صمت ثم قال: “إني هنا بفضلكم” فلو لم يكن فالديهام في حاجة لمن يخدمه لما تركه يغادر حيا قبل أيام.

وعلى فناجين الشاي، قدم له خطة تفصيلية لإبعاد أنظار أشراريل عنه وأقنعه بأنه إن حكم سورمادا فلن يحتاج إلى التواري، في المقابل لم يطلب حامض الكثير، على الأقل هذا ما بدا لفالديهام، فكل ما أراده هو خبرات الضباط النازيين في الاستخبارات والتحقيقات وبعض المال لشراء ولاء شخصيات مارقة فرضتها المرحلة.

لم تمر سوى أشهر ليترقى بعار من رتبة مقدم طيار إلى لواء طيار دفعة واحدة وعين قائدا للقوى الجوية والدفاع الجوي. انتقل بعائلته إلى منزل في دمشقيتو، وخطوته التالية إقناع طلاح بأن يترك أمور الجيش له.

كان في اجتماع دوري لأعضاء الحزب الكبار حين دعاه لحديث جانبي بغرفة المباحثات، أشار إلى هشاشة موقفهما هم ورفاقهم في الحزب الذي يقوده المسيحي ميشيل خوري، وكيف بعد أن هندسوا الانقلاب على الحكومة السابقة ليوصلوا الحزب إلى الحكم فقد انتهى دورهم، ويمكن لرئيس الحكومة الاستغناء عنهم وبالتالي سيتم إعادة أبناء طائفتهم إلى قراهم التي كانوا فيها قبل الاستعمار الفرنجي، أما كبار الحزب فقد ينفون. 

قال: “أولا لابد أن ينضم كثيرا من المقربين لنا إلى الحزب، وتوسيع شبكة مؤيدي وأنصار الحزب نفسه داخل القوات المسلحة”

رد طلّاح جديد: “ليس صعبا ضم مؤيدين جدد إلى الحزب ولكن الأمر الآخر سيأجج الصراعات، ويتطلب موافقة خوري بما أنه أمين الحزب العام”

ـ “وهل يجب أن يظل كذلك؟” وطال الحديث بين الرفيقين وأقنع حامض طلّاح بالتخلي عن رتبته العسكرية: “انظر، عليك أن تكمل سيطرتك على الحزب وهكذا واحد يركز على الشق السياسي والآخر العسكري، إنك الأفضل في تسيير الأمور” كان حديثا سريا بينهما، وديا بما أن زمالتهما ترجع لأول أيام انضمامهما إلى الحزب أي قبل عشرين سنة: “إني مجرد عسكري لكني سأحاول أن نقوي ذراعنا بمن نثق بهم” لف المزعبراتي أيديه حول الثريا يستمتع بكيف أن كل كلمة تخرج من فم حامض تناقض كل فكرة تجوب داخل رأسه: ” فرنجا ستؤيد رئيسا من الطائفة النصيرية يكفينا التواري خلف أسماء لا تملك سوى البريق.. إنك الأحق برئاسة البلد”

دمشقيتو، سورمادا 1971 1965

وفي مؤتمر الحزب السنوي، ألقى طلاح خطابا بصفته الأمين العام وعين حامض على رأس وزارة الدفاع وبهذا الأمر أصبح الجيش تحت طوعه. استعان بخبرات مجموعة من نخبة ضباط النازية ونقلها إلى أتباع اختارهم، تمركزت هذه الخبرات في تطوير الاستخبارات، وسائل جمع المعلومات واستخراجها عبر طرق ممنهجة من التحقيق وطرق التعذيب. وهكذا وبفضل فالديهام، كان بحوزة الضبع جهاز أمني مخابراتي قوي، يسعى إلى تطويره لتحقيق طموحه الذي يتجاوز الحدود.

كلما غاب المزعبراتي زمنا، وجد عند عودته مسرحية في غاية المتعة من السوداوية والخداع والغدر، فصاحب القناع الخرساني كان شديد الدناءة، لم يكن فريدا من نوعه إلا أنه قدم للأبيض مفاجآت تليق بالعقل البشري المثير.

أتت سنة سبع وستين بحرب هزلية وأحداث غير منطقية. فحامض وأشراريل كلاهما يعلمون بوعورة احتلال موقع كهضبة الجولان بتضاريسه الصعبة، لذلك لم ينتظر حامض أشراريل وشن حربا عليها مخالفا أوامر طلاح جديد، ليكون هناك مسوغ لأشراريل للرد وإن لم تكن في حاجته، لكن ذلك لن يكون خطأها الاستراتيجي بل خطأ سورمادا. تعارك الجيشان وخسرت سورمادا كثيرا من مدافعها وجنودها في حين أشراريل كان وراءها أمريكانا بكل عتادها وملايين الدولارات من تعويض عن محرقة الهولوكوست النازي الذي لم يستفد منه إلا اليهود وخصوصا يهود أشراريل.

وكما بدأت الحرب، قرر حامض إنهاءها، فأعلن سقوط مدينة ‘مجدل شمشو’ العاصمة الإدارية لمنطقة هضبة الجولان قبل دخول القوات الأشراريلية إليها. وسلمهم جزء صغيرا من بحيرة طبريا في صفقة تضمن له أمنه ليس أمن الدولة بل أمنه الخاص من أشراريل من جهة، فيجهز لنفسه صعودا سهلا لكرسي الرئاسة، ومن جهة أخرى، من فالديهام، ليظهر للمخلوق الشيطاني بأنه بهذه الطريقة ستعتقد أشراريل أنها حصلت على ما تريد.

ولأن حامض شخص حذر لا يثق بأحد، فقد كان يطبق ما تعلمه من فالديهام وحاشيته على فالديهام وحاشيته، مما أصاب المزعبراتي بالصداع، فحامض وضع خطة للتخلص من المخلوق غير البشري عبر مراقبته الدائمة له ومسايرته وإظهار الولاء والخوف منه على الدوام في حين جمع أدق المعلومات عنه.

لم يكن أمرا سهلا، بل عملا مهووسا كالحاسوب المعطوب، فقد كان يبعث في كل فرصة مناسبة جنديين إلى حتفهما بالتسلل إلى القاعدة تحت طبريا حين يتأكد من غياب فالديهام، رغم أن هذه الطريقة لم تكن تأتي بنفع إلا أنه استمر عليها، حتى أصيبت السحلية، الحيوان الأليف لفالديهام، بالسمنة والسكري من كثرة الأكل، وتعبت الأطياف من الصريخ، أو هذا ما تخيله المزعبراتي المنغمس في إثارة الأحداث المضطربة.

في حين على سطح الأرض، شرع طلاح جديد في تطبيق رؤيته المثالية ذات النزعة الاشتراكية الحَرْفية، فدشن عمليات تأميم اقتصادية واسعة مما ألقى البلاد في أتون أزمة اقتصادية خانقة، ميزتها البطالة الحادة ونزوح واسع لأهالي الريف إلى المدن، وليس هذا ما كان يهدف إليه طلاح، فالرجل المسكين كان يعتقد بالفعل أنه ينقذ البلاد، كان ذاك الشخص الغبي في المكان الخطأ، فخدم مصالح رفيقه حامض وزير الدفاع الذي سيطر على الجناح العسكري للحزب، وتأجج الصراع بين الاثنين بعد هزيمة حزيران 67 حيث أمر طلاح في مؤتمر الحزب بطرد حامض منه وإقالته من منصبه.

كان الضبع جاهزا، فقد صارت له أذرع أخطبوطية خفية قبض بها على كل من يقف ضده، فقد حاصرهم بمعرفة كل شيء عنهم، فمنهم من اشترى ولائه ومنهم من رماه في معتقلات سرية خاصة به فيدفن ذكراهم كما فعل لطلاح الذي رماه في زنزانة، لم يقتله فلازال في حاجته، ثم نصب نفسه أمين الحزب العام.

ولم يبق بينه وبين الكرسي سوى بضعة أيام، فهو الحاكم الفعلي للبلد ولم يبق سوى مراسم التنصيب وأمور شكلية كإجراء استفتاء شعبي مضمونة نتائجه. فكان عليه أن ينظف الساحة لبداية جديدة تليق بتحقق حلمه، فالديهام.. حان الوقت ليستثمر ما جمعه عنه وما تعلمه منه.

*******

سورمادا 1971

أرسل برقية عاجلة لفالديهام تحتوي على تحذير بأن المخابرات الأمريكانية اكتشفت أنه يوجد في سورمادا وأنها مسألة وقت حتى يعثروا على قاعدته. حام المزعبراتي على هيئة طيفية ضبابية متماهيا مع برودة آخر شباط تنهي رحلة فصل الشتاء الذي سيدوم طويلا، لم يثره ما يتفرج عليه. لأول مرة، توهجت طاقة الأبيض بالضيق، فخبرته التي تمتد للآلاف السنين أشهدته على عشرات الأشخاص الذين حصلوا على قناعه النحاسي ليظهروا جوهر الحقارة البشرية ويعصروا خام شرها على أبناء ذوي جنسهم، وحامض واحد منهم، لكن ما لم يعجب المزعبراتي هو سعيه للعب مع السماويين ويوقعهم في خدعهم كما فعل مع رفاقه.

ران في خلد المزعبراتي أن يطلب النصيحة من أفراد كونه، ويعترف بعبثه الطريف مع بعض بني البشر ولكن… الفضول والفضول، ما يجوب في ذهن حامض أثار فضوله إلى حد رغب بأن تستمر دميته البشرية في لعبتها الدنيئة مع كائن سماوي عريق.

دخل فالديهام إلى قبو أحد المباني بمنطقة نائية في شمال دمشقيتو، وفي انتظاره كان هناك حامض وتابعه، وعلى كرسي طلاح المقيد. نخر فالديهام وتجلت بعض الحمرة في عروقه أسفل الجلد البشري المصطنع، فقال حامض: “إنه خطئي.. لم أحسب أنه سيتجرأ على بيعك لشراميط أمريكانا وأشراريل، أن ينزل إلى هذا المستوى…” أخرسه السماوي برفعه من عنقه ورميه إلى الناحية الأخرى من القبو، واقترب من طلاح ذي الوجه المشوه والغارق في ألم جروحه من التعذيب ووضع يده ذات الأظافر الطويلة على رأسه.

نهض حامض بحذر من مكانه متمنيا ألا يشك فالديهام في شيء، فحسب الملفات فليس لديه قدرة قراءة الأفكار وإنما يستطيع بثها داخل العقل البشري على شكل خواطر كوسوسة الشياطين. وكما تمنى صدق الرجل اعتراف طلاح كما لقنه إياه تحت التهديد، فقد اعتقل أتباع حامض زوجته وبناته، وقدم له عينة مما يمكن أن يفعله بهن.

طفا فالديهام على الأرض فكلما زاد سعير غضبه انتزعت قشرته البشرية عن جلده كبشرة الأموات ورفع طلاح بقوة غير مرئية. تدخل حامض: “لا تقتله، حضرة اللورد، فقد نحتاجه ليتواصل معهم..”

زمجر في وجهه: “قرد مثلك عليه أن يصمت وإلا سأقطع رأسك”

لم يرتَب فالديهام بأنه يغرق في فخ مهندس، فغطرسته منعته أن يشك ولو قليلا في أن حامض لديه الجرأة ليغدر به والذي يسعى للتخلص من سيطرته عليه، فحامض يعلم أن السماوي سينقلب عليه يوما، لذلك يتغذى به قبل أن يتعشى به. فابتغى معرفة ما يحميه في تلك القاعدة المشبوهة وما الذي يخفيه عن أشراريل وأمها أمريكانا، بل أن حامضا يطمع في أن يضع يده على هذا الشيء: التابوت، لكي يكون أداة له في مستقبله الرئاسي. لم يعد يخاف من طبيعة فالديهام غير البشرية، فبعد إرسال عشرات من جنوده كطعم إلى القاعدة تحت بحيرة طبريا، فَهِم أن الأشباح ليست مخلوقات ميتافزيقية وإنما تقنية مخيفة تمتص طاقة البشر، طاقة كهرومغناطيسية بتقنية معقدة. لا يهم طبيعتها مادامت شيئا مصطنعا يمكن التغلب عليه.

لم يكن أمام الكائن السماوي خيار إلا البحث عن مكان يفر إليه من جديد، فأجاد حامض لحظة تدخله ليقنعه بأنه قادر على مساعدته، ولكن ولابد ألا يستخدم قواه الخارقة أو تقنية متطورة تثير الانتباه، وأن طائرة خاصة ستكون في انتظاره حالما يكون جاهزا، ونصحه أتباعه النازيون بذلك أيضا والذين استمالهم حامض بشراء ولائهم.

راقب حامض ما سيفعله فالديهام في الساعات القادمة، دخل قاعدته وعندما خرج أغرقها ليدمر تقنياته، ولم يرجع لمسكنه بل اتجه إلى الطائرة المجهزة ولا يحمل معه سوى صندوقا بلاتينيا. كان في انتظاره عند صعوده وقال له بنبرة الخادم المطيع: “سيدي اللورد، الطيار جاهز، ومخزن الوقود ممتلئ، فقط حدد وجهتك..”

قاطعه: “لا تضيع وقتي أيها القرد، جميعكم مخلوقات ناكرة للجميل” ولوح بيده مما جعل حامض يتراجع خشية ثم أشار إلى أحد أتباعه فأطلق الرصاص على السماوي من دون توقف فمزق جسده الذي سال بالدماء كبقية مخلوقات الأرض.

لم يضيع حامض لحظة في التمعن، فهو غير متأكد بأن هذه الطريقة كافية لقتل مخلوق بطبيعة غير بشرية، حمل الصندوق وغادر الطائرة وما أن ابتعد مسافة كافية حتى أعطى إشارة وانفجرت محدثة صوتا مدويا هز المطار وأرجاءه، فكمية المتفجرات التي زرعها كافية لتدمير حي بأكمله، حتى صار هيكل الطائرة معدنا مشتعلا.

ووقف لمدة كافية يراقب النار بعينين شاخصتين متأهبتين خوفا من أن يرجع الكائن السماوي إلى الحياة ثم انطلقت ضحكة عالية من فمه وقال: “أرأيت ما يمكن أن تفعله القرود يا حبيب أمك”

*******

[«لعنة طبريا الجزء الثاني: صناعة الديكتاتور»]