تخيل أن البشرية كلها من نيويورك إلى نيروبي، من طوكيو إلى طنجة، جلست على طاولة واحدة، وبدأت تحسب ديونها. لا، مش ديون الأفراد أو الشركات أو حتى الحكومات، بل ديون الكرة الأرضية. ديوننا كلنا، كنوع اسمه “الإنسان”. بس لمن ندين؟ مين هذا الكائن اللي لازم نسدد له؟ وهل فعلاً في أحد قاعد يدوّن علينا بالأقلام الحمراء؟

أولًا: ديون البشرية المالية… كوكب على حافة الإفلاس
لنبدأ بالواضح.
آخر التقارير تقول إن مجموع ديون العالم وصلت إلى أكثر من 300 تريليون دولار.
يعني لو قسمنا هذا الرقم على عدد سكان العالم، يطلع على كل واحد منّا (من الطفل حديث الولادة حتى الجد المتقاعد) أكثر من 37 ألف دولار ديون! من هو الدائن؟ ببساطة: نحن ندين… لأنفسنا!
- الحكومات تدين للبنوك.
- البنوك تدين لشركات.
- الشركات تدين للمستهلكين.
- المستهلكون غارقون ببطاقات الائتمان.
دائرة مفرغة لطيفة تجعلنا نعيش على مبدأ: “اصرف ما في الجيب، يجيك دين من الغيب!”
🌱 ثانيًا: الدين البيئي… قرض الطبيعة الذي لا يُمهل
طيب، لو تجاوزنا الدين المالي، عندنا دين من نوع مختلف… البيئة!
كل سنة، المنظمات تحسب ما يسمى بـ”يوم تجاوز الأرض” (Earth Overshoot Day). وهو اليوم الذي نستهلك فيه أكثر مما يمكن أن تعوّضه الأرض خلال السنة الواحدة. في 2024، وصل اليوم هذا في أول أغسطس. يعني من أغسطس إلى ديسمبر، نحن نعيش “على الحساب” أو “خلص الراتب في منتصف الشهر”… من موارد لم تُنتَج بعد. يعني اقترضنا من المستقبل.
لو كانت الطبيعة بنكاً، كانت سكرت حسابنا من أول تسونامي!
ثالثًا: الدين للأجيال القادمة… ورقة الدين المخبّأة تحت وسادتهم
ماذا سيقول أطفال المستقبل حين يكتشفون أننا تركنا لهم:
- مناخًا مضطربًا،
- محيطات مليئة بالبلاستيك،
- اقتصادًا قائمًا على الاحتيال،
- وأنواعًا من الحيوانات لا توجد إلا في الصور؟
ربما أول شيء سيتعلمه طفل سنة 2100 هو كلمة “ديْن”، قبل حتى أن يتعلم كلمة “حب”.
نحن نعيش اليوم بـ”بطاقة ائتمان كوكبية”، والرصيد المستقبلي يخصهم، مش إحنا.
🪐 رابعًا: الدين الأخلاقي… يا بشر، من سيحاسب من؟
لا ننسى أن هناك البشرية خلفت ديونا أخلاقية لا تُكتب في دفاتر البنوك.
- ديون الاستعمار، العبودية، العنصرية، الحروب، الاستغلال… كلها تراكمات لم تُسدد بعد.
- ملايين يعيشون الفقر المدقع لأن دولًا أخرى قررت أن تنمو على حسابهم.
يعني حتى لو شطّبنا ديون المال والطبيعة، نظل مديونين في الضمير.
خامسًا: هل ندين لمخلوقات فضائية؟ (للمزاح، ولكن…)
طيب خلينا نحلم شوي…
ماذا لو هناك حضارة فضائية متقدمة، من نوع “مدقق حسابات كوني”، تراقبنا من بعيد وتقول: “هذول الأرضيين؟ ديونهم فاقت كل توقعات المجرة، ما نستثمر فيهم أبداً.”
ربما نحن مشروع تجريبي فشل في مادة “الاستدامة”، ولسنا مؤهلين للدخول في نادي الكواكب المتحضّرة.
🌀 إذًا، لمن ندين؟
بكل صراحة؟ لكل شيء حي وغير حي حولنا.
- ندين لأرضٍ منحتنا الكثير دون أن تطلب،
- ندين لأطفالٍ لم يُولدوا بعد، لكننا نحملهم أعباءنا،
- وندين لأنفسنا، لأننا قبلنا بعالم مختل الموازين.
ديون البشرية.. ماذا نفعل بهذا الدين؟
لا توجد قروض حسنة تُقدّمها الكواكب الأخرى.
لكن يمكننا:
- أن نُخفف الاستهلاك،
- نعيد التفكير في شكل التنمية،
- نطالب بنظام اقتصادي عادل،
- نزرع شجرة بدل ما نرمي كيس نايلون في البحر،
- ونتذكّر أن الدين الحقيقي ليس ما نكتبه في دفاتر المحاسبة، بل ما نتركه في سجلات التاريخ.
وتذكر: نحن لا ندين لبنك. نحن مدينون لحياة لا يمكننا تكرارها.



