[«الفصل الأول: المقطع الثاني _ قيامة عشتار»]
سورمادا
**(من وجهة نظر سلام الحلبي)

ريف إيبلا الشمالي 10 أيار II021
قيل إن الاسم هوية الوجود، فإذا ابتغى إنسان نسيان ما لا يُنسى، فليس أمامه إلا رمي الأسماء بين نفايات الزمان كما رمى بذكراها، تلك التي لن يذكر اسمها. لن يصف نفسه بشاعر أو حتى متعلم، فآخر كتاب اضطر لمطالعته كان من المنهج الدراسي في آخر سنة من المتوسطة، قبل أن يرسب في الامتحان ويتخلى عن الدراسة من أجل مساعدة والده الذي كان يعمل سائقا أيضا.
يعمل سلام مرات في نقل المسافرين وفي أخرى في نقل البضائع، مرة يرافق عرسا وحينا جنازة. ليس لديه الكثير ليخسره ويرضى بالقليل مما يكسبه. يعيش مرتاح البال يكسب رزقه يوما بيوم، ويصل رحمه بزيارة أمه الحنون القاسية وأبيه الذي يحب أبناءه وخردواته بنفس المقدار، أما إخوته فتشتتوا في أصقاع العالم كلاجئين ولم يفكر يوما أن يحذو حذوهم.
رفع المزلاج من سلك خارجي، فقد فقدت الهوندا من طراز 95 مقبض الباب وانبعج إطارها إلا أنها لا تزال تعمل بنفس الكفاءة وتكفيه لجني قوت يومه. اتكأ على مقدمة العربة يمشط شاربه وشعره الأسود الكثيف الناعم وهو يدندن لحن أغنية مصراوية: «الله عليك يا سيدي، قلبك ذاب في يدي» ورتب قميصه بلون الزبدة الطازجة ثم أشعل سيجارة ينتظر ريثما يكتمل عدد المسافرين الذين سيعود بهم آخر النهار.
دخلت الحرب الأهلية عامها الحادي عشر أو كما يسميها الحالمون ‘الثورة’ التي تحولت إلى كابوس بلد بأكمله. قضاها سلام باختيار جهة الحياد وعدم التعمق بأمور سياسية أو وطنية، فهذه الأشياء لا تشبع جوعان ولا تدفئ بردان. كان يتأقلم مع وضعه كلما نزح من منطقة إلى أخرى، من ريف دمشقيتو إلى حلبا ثم شمال حاما ليستقر بإيبلا، وفي كل مرة يبدأ عمله من جديد كأن شيئا لم يكن، وقد كان الأمر أسهل له عكس الأسر التي تملك أطفالا، فقد فضل سلام العيش وحيدا فمن يريد أن يتزوج وينجب في هذا المكان إلا المجنون.
فالحياة في سورمادا كلها عبارة عن صراع للبقاء، بيد أن الإنسان هو الكائن الأول في التأقلم على البيئة المتغيرة، يتغير جلده بإتقان كالحرباء ويصبر على المعاناة كصبر الجمل على عطشه ويظل يتكاثر كالأرانب. الناس تموت بالمئات من جراء عاصفة الأسلحة والجوع لكن هنالك صغار ورضع في كل دقيقة، زواج بالخيم، وزواج قاصرات واغتصاب بالعشرات وزواج الفاتحة وما أسهله من طريقة. خلاصة القول، الإنسان يتكاثر فإن لم يكن بالقبول فبالقوة. هؤلاء الأطفال يكبرون ويتغير شيء ما في حمضهم النووي، جزء يتعلق بغريزة البقاء التي تقوى أكثر وأكثر.
وكثيرون حاولوا شرح الوضع السياسي في سورمادا، محللون وسياسيون وأيضا بائع القهوة الذي أوقف عربته بجانب بائع الفلافل أبي سعد قائلا: «يا أخي في عندك الضبع ضد المعارضة والشيعة ضد السنة، والتركيش ضد الأكراد والتركيش والأكراد ضد الجهاديين والييرانيين ضد السواعدة، وطبعا لا ننس الروش ضد المعارضة والإسلاميين السنة، والأمريكان يدعمون التركيش وأعدائهم الأكراد في نفس الوقت كما يقومون بمحاربة الجماعات الإرهابية… انتظر، أظن أنني نسيت… من لم أذكر؟»
فأقحم سلام نفسه في الحديث: «يجب أن تضع البغلاني في كفة لوحده فهو حليف للتنظيم ومقرب من تركيشا ويعقد الصفقات مع من هب ودب» وأشار إلى صورة البغلاني، قائد الجبهة الإسلامية، المعلقة على إحدى الجدران، استطاع بلحيته أن يضفي بعض الهيبة على وجهه البيضاوي المخنث ولون بشرته التي بلون جلد البغل الأمهق، كانت عيناه الدائريتان تبدوان كأنهما لتلميذ كسول لكنهما تخفيان مكرا صامتا بين رموشه البنية. قاتل مرة أو مرتين بأسلحة تنظيم داشع أو على الأقل من التمويل المخصص له، ثم مدد رجليه وشرب الشاي مع الساسة الأجانب لتكون أكبر حصة من إيبلا تحت سيطرته.
أجاب صاحب القهوة بلهجته الشمالية، فقد كان من سكان إيبلا الأصليين: «البغلاني ليس الحاكم الوحيد هنا؛ ففي أقل من عشرة آلاف كيلومتر مربع من الشمال السورمادي، حشروا عشرات من فصائل المعارضة المسلحة، كل واحد منها يرغب أن يحكم على مزاجه، يتصارعون ويتناحرون فيما بينهم. وبين الحين والآخر يأتي الضبع بجيوشه المستعارة يرمي بقذائف روشية تقتل المدنيين الذين ليس لهم ذنب وسبحان الله، تولد فصيلا معارضا آخر»
فقال أبو سعد: «الضبع يحكم جنوب البلاد بالبراميل المتفجرة والبغلاني يقمع الخلق بالشمال بالبنادق والمفخخات، ما تركوا لنا خيارات، يا إما الضبع يا إما البغلاني، لَييك، لما ليس عندنا حكام آدميين، كلهم حيوانات! حيوانات!» واهتز كل جزء من جسده، صلعته، وجهه وبطنه الكروي كقرص فلافل.
فقهقه سلام مجيبا مشيرا إليه: «إذا كان الشعب حيوان، فلن يحكمه إلا حيوان»
فرفع أبو سعد إصبعه متوعدا: «أمثالك هم الذين خربوا البلد. لَييك، الشعب ميت من القهر تقول عنه حيوان، هيا ادفع ما عليك، هيا»
فأمسك سلام رأسه وقبله معتذرا وقال: «أنا قصدي، إذا كان الشخص ليس قادرا على ثورة، فلما يقيم ثورة، لكن ما العمل؟ الأوائل الذين رفعوا شعارات الحرية، نصفهم مات أو قابع في سجون الضبع ونصفهم الثاني هرب إلى خارج البلاد»
قاطعت امرأة ثرثرتهم ودنت من سلام قائلة: «خاي، أذاهب إلى خربة اللوز؟»
فرد وقد أشعل سيجارة ثانية بولاعته الفضية وأعادها إلى جيبه الخلفي: «نعم أختي، ادفعي وانتظري هنا ريثما يكتمل العدد»
دفعت ثلاث ليرات تركيشية ثم سألته وقد برزت في صوتها بحة أنثوية أضافت جاذبية غامضة حولها: «أنا في عجلة من أمري، ألا تستطيع الانطلاق قريبا؟»
فرفع كفيه مجيبا: «ما في حيلة، هكذا تجري الأمور»
تنهدت ووقفت إلى يمين عربة الفلافل قرب كيس الزبالة. كانت عينه مرة على البائعين اللذين لم يتوقفا عن الجدال ومرة يرمقها من جانب عينه اليسرى وهي تدور حول نفسها منتظرة، رمت بحجر ملاعبة إياه بقدمها في حركة طفولية، فتاة في سنها يجب أن يرافقها أحد.
كانت صبية يافعة بحاجبين مشعثين وعلى جانب وجهها آثار خموش قبيحة تواري تحتها جمالا لم يخف على عيني سلام، كشف الشال المنزلق عن شعرها الأسود الفاحم وانسدل بقصّة ثائرة قصيرة، ناعم هادئ من الأعلى ومتموج عند الأطراف. كانت عيناها بلون الزمرد تشد الناظر إليهما، لوزيتان متحلّيتان بأهداب سوداء كالكحل. واحمر الخدان من حرارة الأجواء فأضفيا على وجهها رونق جورية دمشقية، وزادتها غمازة الذقن جاذبية غامضة. كان لها أنف أفطح لكن متناسق كأنه اقتطع من منحوتة آشورية قديمة، وانكشف بعض من بشرتها القمحية النضرة من عنق العباءة الواسع والتي لا تناسب مقاسها.
كان صاحب القهوة لا يزال يسرد ما سمعه من المحللين على القنوات الإخبارية قائلا: «تنحدر الجبهة وداشع من السلالة نفسها، يعني أن الطرفين يستسقيان من أسس تنظيم الحمض الإسلامي» وهمس خوفا من أن يسمعه أحد: «فالبغلاني ما هو إلا واجهة سياسية للأمير أبو حمزة الأسدي من تنظيم داشع الذي يدعم الجناح العسكري»
فعقب أبو سعد: «ليس هناك من خرب الثورة قدر الدواشع، قضوا على آخر أمل لدى الناس في حل سياسي، انظر إلى ذلك المسمى أبا يزيد أصبح أشهر من علم» وبصق على الأرض مكملا: «الله يلعنه على عمائله الشيطانية»
سمع سلام عن أبي يزيد هذا أكثر من غيره، فمؤخرا يتكرر اسمه عشرات المرات على شاشات التلفزيون بعدما تم القبض عليه من طرف الأكراد.
قال صاحب القهوة: «إيه والله، هذا الرجل المدعو أبو يزيد، فريد من نوعه» واسترسل في حديثه وهو ينش على بضاعته: «روى بعض المحللون أنه تدرب في تالبان وتخرج على يد جهادي معروف. تنوعت الروايات عنه لكن أغربها التي تتحدث على أنه عميل لأشراريل يخدم الموشاد، وأخرى تقول إنه عميل لدى الاستخبارات الأمريكانية وقد عاش في روشيا متخفيا لتنتهي القصة بأن من قبض عليه مجرد شبيه وأن الحقيقي لا زال طليقا»
رد أبو سعد الذي انهمك في إعداد سندويشة فلافل من أجل زبون: «وماذا بعد؟ البلد تراجعت أربعين سنة للوراء، وها هم الأكراد بالشرق يدّعون الديموقراطية، يبذرون الوقت والمال في سجن هؤلاء الدواشع، الكل يعرف أن مصيرهم الإعدام. مثل أبا يزيد هذا، ذبح أولاد الشيعة بالعشرات، قتل مئات الأبرياء في التفجيرات، هذا الإرهابي لا يحتاج سجنا ولا محاكمة، السجن المؤبد قليل عليه، الموت لن يشفي غليل الآلاف الذين تعذبوا من جراء ما فعله أمثاله. مثل هذا المجرم يجب أن يصلب وتقطع يديه ورجليه ويعلق…» ثم بتر كلامه حين رأى كيس زبالته يحترق وبالقرب منه ما يحتاج من بضاعة وزيت فرمى ما بيده وهب مرعوبا ليطفئ النار.
تدخل صاحباه بسرعة وصبوا على النيران الماء بالأوعية المعدنية الكبيرة المستخدمة للخلط والقلي. تفحم صندوق الخبز واحترق جزء من العربة، لم تنطفئ النار حتى أفرغ سلام كل ما في برميل الماء عليها.
أمسك أبو سعد رأسه ولعن حظه ناظرا إلى رزق يومه وقد تبخر في الهواء، فقال بأسى: «الحمد لله على كل حال»
طبطب سلام على كتفه وواساه قائلا: «سيعوضك الله أخي، الله كبير» وأخذ سيجارة أخرى وهم بسحب ولاعته من جيبه لكن لم يعثر عليها في مكانها وبدلا من ذلك وجدها مرمية على الأرض، ثم لمح الصبية تبتعد بوجه غاضب، ولم ترجع رغم أنها دفعت أجرة الميكروباص.



