قيامة عشتار الفصل الأول: المقطع الأول

[«مقدمة الجزء الأول من قيامة عشتار»]

سامي إيليا صليبا

سامي إيليا صليبا_قيامة عشتار

سجن الحكسة أيار II021

احتكت قطعة من الورق مع الرصيف جرفتها ريح دافئة وصدح مواء قطة كبكاء رضيع في أرجاء الشارع الخالي. هناك.. رائحة دم السلالة الآثمة تفوح من المكان.. نزلت اللعنات على سلالتها: عشتار التي خلقت ما دمر العالم، ما دمر الفردوس الذي احتضن فردانية كل مخلوق من كل الأكوان الثمانية.

وقف المخلوق الأبيض بملابسه المبهرجة في الظلام، ببقعة لم يصلها شعاع مصباح الشارع الذي يرتعش. جاب ببصره ملامح مبنى كئيب، يسميه البشر سجنا، يزجون فيه كل من لا يلائم طقوسهم. سمع خطوات هادئة ناعمة، وصل شاب يرتدي سترة سوداء، انعكس ضوء المصباح على شقرة شعره الكستنائية. جاب المخلوق الأبيض بأفكار الشاب، كانت سلسلة مرتبة متداخلة مثل جدار خلية نحل. كان أمرا غير مألوف في طريقة تفكير البشر، كأن الشاب يسيطر على ما يتردد داخل رأسه بقبضة حديدية.

التفت سامي ناحية بقعة مظلمة، كان هناك شعور غريب بأنه مراقب، فوضع قبعة رياضية سوداء احتياطا. نظر إلى ساعته الرقمية التي تبعث بضوء أحمر وسط السواد الضبابي تجعل من وجهه يبدو أكثر كآبة وقد أشارت إلى الواحدة صباحا إلا ربعا. انطلقت أصوات الحديد الصدئة للأقفال بتتابع تكسر سكون الليل، نظر الرقيب في كلتا الجهتين ليتأكد من أن سامي قد قدم لوحده وفتشه قبل الدخول ثم حدق فيه بحقد قائلا: «الاتفاق هو الاتفاق، ستقوم بالتخلص من كل الصور»

أجابه سامي بابتسامة فاترة. كان من السهل قرصنة صفحة الرقيب الخاصة على موقع إباحي، متسائلا كيف يمكن للمرء أن يكون غبيا إلى هذا الحد، فألح الرجل في غضب: «أريد أن أسمعها منك»

أجاب بهدوء: «صدقني، لا أنوي الاحتفاظ بتلك الصور المقززة»

تبع الرقيب الذي يمشي بعيدا عن ضوء مصابيح السجن الكبيرة قاطعا الساحة نحو الممر الطويل. مرا من ثلاث أبواب حديدية مدعمة بقفل رقمي يفصل بين كل اثنين مخدع مجهز بالكاميرات ثم سلكا درجا إلى الأسفل. أكمل الرقيب الطريق إلى السرداب المظلم وفتح بابا حديديا آخر بعدما أدخل الرمز السري فاشتعل مصباح من نيون بضوء خافت. كان صوت جزمة الرقيب عاليا يرن بين الجدارين الذي لا يفصل بينهما أكثر من متر واحد، ومرت من جانبه بعض الجرذان التي تفاجأت بدخوله تهسهس ساخطة.

خشخش الرقيب بسلسلة مفاتيحه وقبل أن يفتح باب الزنزانة الفردية قال: «أمامك عشر دقائق لا غير»

سُمعت صلصلة السلاسل حين خطا سامي إلى الداخل، كان المكان كأنه مستوحى من سجون قصر من القرون الوسطى الأوروبية الذي زاره في إحدى رحلاته المدرسية. ثقل السلاسل يدل على خوف الجميع من السجين الملتحي، نما بعض الشيب حول شعره الملولب الذي يصل إلى قفاه، واختفت ملامح وجهه تحت لحية كثيفة شعثاء.

لم يعره السجين اهتماما، كان جالسا في زاوية من الزنزانة المربعة التي لا يتجاوز عرضها متر ونصف. بقي سامي واقفا قرب الباب فرغم أن الرجل نحيل نحولا شديدا والتصقت أسماله على جسده من أثر التعذيب، لم يستطع مقاومة القشعريرة الباردة التي انتابته وهو قريب من مجرم متوحش مثله ذائع الصيت.

يدعى “إياد حسن” ولقب نفسه ب‘أبي يزيد الشامي‘ بعدما حمل السلاح ضد قوات النظام إلى جانب جيش الثوار، وتطرف في أسلوبه بانضمامه لداشع في العام الثالث للثورة.

ابتدر سامي الحديث قائلا: «أرجو ألا أكون قد سببت لك إزعاجا سيد أبو يزيد بزيارتي هذه» لم يعره السجين أي اهتمام، الموقف الذي توقعه سامي والذي سيتغير بعد لحظات، استطرد قائلا: «أدعى ‘سامي صليبا’ وقد جئت إليك بعرض سيخرجك من هذا الجحر، ولن يكون عليك إلا تقديم معلومات بسيطة عن السلاح الذي تستخدمه أو ما تسمونه» وصمت لبرهة قبل أن يضيف بنبرة أوضح وأوطأ: «المادة البيضاء الشبح»

فحصه السجين بعينيه الغائرتين لثانية ثم عاد ليغمضهما في وهن بدون أن يبدي أي شيء. أكمل سامي: «هناك شخص مهتم بهذا، مستعد ليقدم لك ما تريد مقابل ما تعرفه عن السلاح» وعم الصمت لفترة أطول مما ينبغي. «ألا تود معرفة المزيد عن الصفقة؟ أعدك أنك ستكسب الكثير» عقد ذراعيه وأضاف محاولا لفت انتباه الجهادي: «المادة الشبح البيضاء، أول ظهور لها كان بالسنة الثالثة من الثورة. المكان: تل هوى، في هجوم الدواشع على قوات النظام. أو على الأقل كان أول تجربة ناجحة، بالتأكيد هذه أشياء تعرفها مسبقا» وانتظر جوابا أو ردة فعل بسيطة لكن السجين لم يكترث: «مواجهة عقوبة ثقيلة كالإعدام ليس أمرا هينا، لكن العرض الذي أقدمه سينقذك من هذا المصير مقابل بضع معلومات»

تحركت السلاسل المحيطة بقدمي أبي يزيد ورد بصوت عميق من دون أن ينظر إليه: «اذهب واسأل أحدا غيري يا بني، فأنا لا أعرف عما تتحدث عنه»

ـــ «بل تعرف تماما عما أتحدث، السلاح موجود وأول التجارب أقيمت هنا في سورمادا وعلى يديك» اقترب جرذ مشعر من حذاء سامي فأبعده ووضع يديه في جيبه وقد أصابه الضيق من وجوده في مكان قذر حيث أوصله البحث عن السلاح الشبح. فبعد الحرب الأهلية بسورمادا وتدخل روشيا صارت الأراضي السورمادية ميدانا ملائما لتجربة كثير من الأسلحة الجديدة والتقنيات لتسويقها للدول المشاركة. غير أن هذا السلاح تم رصده أثناء قتال أكثر التنظيمات الإرهابية فصيل ‘أنصار الله’ وذلك على يد قائده أبي يزيد الشامي.

دق الرقيب على باب الزنزانة مشيرا أن وقت الزيارة شارف على الانتهاء. فقال سامي: «إضافة إلى خروجك من السجن، سيقدم لك أيضا مبلغ لا بأس به ويمكنك المساومة إذا شئت فعميلي شخص سخي جدا. فلما لا تفكر في الأمر قليلا وهكذا سيكون حديثنا مثمرا المرة القادمة»

لم يلق ردا منه وكأنه غير مرئي بالنسبة له لكن سامي يعلم أن لكل شخص بطاقة تفاوض، ترتبط بمعلومة بسيطة حساسة تسهل من التحكم به في نقطة معينة من دالة معلوماته الشخصية. قد لا يمتلك العنصر الأساسي من معادلة أبي يزيد بعد، الذي رغم مواجهته لعقوبة قصوى لا يأبه بطريقة سهلة ليتحرر من سجنه.

دق الرقيب الباب من جديد وبقوة أكبر متوترا، فلم يكن أمام سامي إلا الخروج. وعند فتح الباب، تمتم السجين: «لا تبحث أكثر. فلا مصلحة لك في هذا.» التفت سامي إليه نحو الزاوية المظلمة ولم يتبين من نبرته إن كانت نصيحة أم تهديدا.

رافقه الرقيب إلى الخارج ثم قال: «إذن؟ لا صور بعد الآن»

مد له ذاكرة الفلاش وقبل أن يمسكها قال: «ستؤمن لي مقابلة أخرى كما اتفقنا»

ـــ «ليس باستطاعتي ذلك بعد الآن، السجين سيتم نقله عما قريب»

ـــ «حقا؟ أتعرف إلى أين؟»

ـــ «الله أعلم فأنا مجرد موظف بسيط»

حسن لم أتوقع هذا. لم تسفر محاولات سامي مع المجاهدين الذين قاتلوا إلى جانب أبي يزيد عن أي خيوط تقربه من مكان السلاح، وها ذا أبا يزيد الشخص الذي يملك المفتاح لإتمام مهمته بنجاح سيفلت منه. فقال للرقيب: «أريدك أن تبحث لي في الأمر»

ـــ «لقد أتممت جزئي من الاتفاق وبيننا كلمة شرف»

سلمه سامي الفلاش قائلا: «معك حق، فالنسخة الوحيدة معك الآن ولكن…الصور لم تكن كل شيء للأسف، تعرف ما أقصد، مقطع الفيديو، الزمان: الخامس عشر من حزيران الماضي، المكان: ملهى أبو العيش. إنك حقا شخص محب للكاميرا»

ـــ «يا ابن الشرموطة…»

عبس سامي في وجهه: «لا داعي للألفاظ القذرة، عليك أن تبذل جهدا أكبر وإلا تعرف ما سيحصل»

توقف سامي للحظات عند بوابة السجن الحديدية، فقد ضج الشارع الصامت بشيء مريب ينظر إليه من مكان ما لكنه لا يستطيع رصد الخطب تماما. بينما المخلوق الأبيض تخلى عن هيئة المزعبراتي المهرج وتوهجت سيالاته الطاقية ليعبر أسوار السجن كأنها شعاع قمري بلا أثر.

قادته رائحة السلالة الآثمة الرجيمة التي تعبق بخفوت، تحاول الاختباء من أذرع المخلوق الأبيض الطاقية. فاقتحم جدار حجرة ضيقة معتمة. لمعت عينا السجين الملتحي كحبة زيتون نضجت تحت شمس متوسطية، تهيمان في الأرضية العفنة، غارقتان في الندم، بل في فكرة واحدة. جابت بخياله صورة طفلة، تعذبه في ذلك الصمت المطبق. ورفع بصره ناحية المخلوق الأبيض، رغم أنه بهيئته الطاقية، استطاع هذا البشري أن يلتقط تردده.

فنطق بوهن: “زواري اليوم أكثر من العادة” نظرة واحدة جعلت هيئة المخلوق الأبيض ترتعش فهج من مكانه مخترقا الجدران وفي غمضة عين صار بقلب السماء بين جبال بعيدة. إنه من دم سلالة عشتار دون شك.

[«الفصل الأول: المقطع الثاني الصبية زهراء نيسان»]