قيامة عشتار الفصل الأول: المقطع الرابع

[«الفصل الأول: المقطع الثالث _ قيامة عشتار»]

علي المجاهد الشبح 1

(**من وجهة نظر سامي إيليا صليبا)

المجاهد الشبح_قيامة عشتار
المجاهد الشبح_قيامة عشتار

خربة اللوز ريف إيبلا الشرقي أيار II021

‘فلتزل الدنيا ولتفنى تنظيماتنا وجماعاتنا ومشاريعنا ولا يراق على أيدينا دم مسلم بغير حق’

رُسمت قولة أمير الجبهة على جدار بأحرف قوطية كغيرها من الشعارات المتطرفة: ‘الجهاد باب من أبواب الجنة’، ‘الديموقراطية دين الغرب’، ‘المرأة كلها عورة حتى ظفرها’، ‘الشيعة أعداء الإسلام’، ‘يحرم حلق اللحية’، ‘العلمانية كفر’، ‘لا يدخل الجنة نمام’، ‘الاختلاط حرام’، ‘تنظيم قاعدة الجهاد معا لتحكيم شرع الله’…

زينت كل شوارع البلدة من جدران البنايات وعواميد الكهرباء إلى لافتات المحال، شعارات لا تنتهي وفي كل مناحي الحياة، كان بعضها أقوال للبواطني، منظّر تنظيم الحمض الإرهابي، لكن مع بداية تلطيف علاقات الجبهة مع العالم الخارجي محي اسمه وخلّف وراءه بقعة ملطخة بالطلاء.

لم تكن مجرد كلمات رنانة وإنما قوانين وقواعد يجب التزامها. لكن عند جني المال كانت الجبهة تجد دائما مسوغا شرعيا كابتكار البطاقة الإسلامية التي يصل سعرها إلى مليوني ليرة، تتيح لحاملها التجول دون استجواب عند حواجز الشرطة الإسلامية. يطيل المرابطون عندها النظر إلى سامي فشعره الأشقر الفضي وكنيته ‘صليبا’ تثير فضولهم بيد أن البطاقة تلزمهم بتركه يمر من دون سؤال.

أوقف سامي دراجته عند مغسل ومشحم ‘الجبل’، يقع أسفل منزل قيد الإنشاء، جزء من واجهته بني بثلاث أنواع من الطوب تبين الفواصل الزمنية لانقطاع البناء أو إعادته، أقفلت النوافذ بالكرتون بدل الزجاج ومن السطح تمتد بعض الكابلات إلى الداخل.

كان رياض في انتظاره، أرخى كوفية مخططة بالأبيض والأحمر على كتفيه وارتدى تي شيرت أبيضا مبقعا بشحم المحركات، تميز بذقن حاد مدبب ومنطقة ما بين العينين ضيقة، ويهمل حلق ذقنه فنبت له شعر غير متجانس يجعل وجه شبيها بوجه الجرذ. وقبل أن يشعل سيجارة عرض عليه واحدة فرفضها سامي بأدب. في عالم موازي كان يمكن إطلاق على رياض صفة مسؤول علاقات عامة لاتساع دائرة معارفه وتشعبها وطريقته في إيجاد قنوات خفية للتواصل.

التفت سامي يمحص الشارع قليل الحركة وقال: «أسيأتي؟»

ـــ «تدخل في الموضوع مباشرة، ألن تسألني عن حالي، عن صحتي؟» ونفث رياض الدخان: «سيأتي فأرجو ألا تغضبه، فلدي سمعة للحفاظ عليها ورأس أريده أن يبقى ثابتا في مكانه»

بعد حوالي ربع ساعة، توقفت سيارة تويوتا بالقرب منهما، نزل منها رجل ضخم الجثة ونفث بلغما سميكا على حافة الرصيف المتسخ. تقدم نحوهما يمشي نافخا صدره إلى الأمام. كان واثقا ليحضر إلى الموعد وحيدا ولم يظهر أنه يحمل سلاحا وبالرغم من ذلك أماط سامي سترته قليلا من الجانب ليُظهر سلاحه المعلق.

ألقى المقاتل الداشعي السلام بلهجة ثقيلة، إنها اللهجة العاشرة إن لم تكن العشرين التي سمعها سامي في أرجاء المحافظة، اختلفت لهجات ولغات سكانها، وتحققت ضمنها أمة عابرة للقارات عنفوانها الحرب والفقر. رغم أن البلدة واقعة تحت سيطرة الجبهة إلا أن مقاتلي داشع كانوا يتحركون بحرية في أرجائها عكس المناطق الأخرى شريطة ألا يظهروا انتمائهم علانية كباقي الفصائل.

دعس رياض على عقب السيجارة وهو يقدم سامي إلى زبونهما المنتظر فرفع الرجل ناظريه قائلا: «هذا هو مخبرنا؟» وأطلق آهة استهجان وسأله: «كم عمرك يا فتى؟»

أجاب رياض بدلا منه مشعلا سيجارة جديدة: «ما يكفي لينبت الشعر على ذقنه. الفتى في حوزته معلومات ستفيدك وبالثمن الذي تريد»

مسح الرجل حافتي فمه بسباته وإبهام يده اليمنى ثم أمر سامي قائلا: «فلتنطق»

رد سامي: «ادفع أولا»

قهقه المقاتل واهتز صدره المنفوخ ثم رد وهو يفتش في جيب سترته الداخلي: «لا بأس، فقد قال الرسول أعطوا الأجير أجره عندما جف أو سيجف…» واختلطت بقية المقولة في فمه فعاونه رياض الذي لم يكن يحفظها أيضا وعيناه على الظرف المكتنز بالمال مرددا: «صدق رسول الله»

مد الظرف إلى سامي لكنه لم يمسكه فأخذه رياض مبتهجا وبدأ يعد الدولارات والسيجارة معلقة في طرف فمه. رغب من تبقى من فصيل أنصار الله البحث عن معلومات تساعدهم لتحرير قائدهم أبي يزيد، فأدرك سامي سبب رفضه للصفقة التي عرضها عليه، فهو في انتظار رفاقه. فقال: «حسب ما فهمت، تريدون طريقة لاقتحام سجن الحكسة»

رد أبو سلمان: «ألديك طريقة للدخول إلى هناك؟»

ـــ «لا داعي للذهاب، فالأكراد عقدوا اتفاقية سرية مع جيش التحرير الوطني وتمت مبادلته ببعض الأسرى»

ظهرت علامات الحيرة على الرجل وكان مصيبا، فلم الأكراد يتخلون عن أسيرة دسمة كالجهادي الكبير أبي يزيد، وضع يده على أذنه اليسرى متظاهرا أنها تحكه فلاحظ سامي ملقط صوت تحت شعره الكث وهو ينتظر الأوامر. سأله بعد أن أصغى لما يقال له: «أتعرف مكانه الحالي؟»

اتضح أن الرجل مجرد واجهة والعقل المدبر يختبئ في مكان ما، لكن سامي أراد أن يتأكد فرد: «يمكنني أن أبحث، بعد دفع أجر بسيط بالطبع»

ـــ «أتسخر منا يا لقيط؟» توقف رياض لحظة عن عد النقود ورفع ناظريه نحو أبي سلمان العابس

قال سامي بصوت هادئ مطمئن: «فلتنظر للجهة الإيجابية، بفضل ما أخبرتك به فلن تحتاج لاقتحام سجن الحكسة، سجن مشدد الحراسة وصعب اختراقه، وبفضل ما سأقدمه من معلومات ستصبح عملية تحرير رفاقكم في متناول أيديكم وهذا ما ستدفع لأجله»

ـــ «تظنني أحمقا يا فتى»

لكز رياض سامي الذي لم يأبه له وراقب سلوك الداشعي قائلا: «هذا عمل إضافي ويتطلب جهدا أكبر، لذلك سيكون الأجر مضاعفا» وانتظر إن كان سيأخذ قرارا من تلقاء نفسه، وفي طرفة عين، انطلقت رصاصة لفحت حرارتها خد سامي الأيسر وأصابت عقب سيجارة رياض الذي سقط على أسفل ظهره مرتعبا وقد تطايرت من يده النقود في الهواء.

قهقه الرجل الضخم قائلا: «ما العمل؟ لقد أغضبتما رفيقي، وأؤكد لكما أن صبره أقصر من قامته» رفع سامي رأسه نحو البنايات البعيدة ثم نظر إلى رذاذ السيجارة التي فجرتها الرصاصة من دون أن تخدش صاحبها، فتبين سبب ثقة الرجل الزائدة الذي لم يحتج سلاحا فمن يحمي ظهره قناص محترف.

قال أبو سلمان: «إليك الأمر، ستتكلم لتستحق أجرك الذي دفعتُه»

لم يتخل سامي عن هدوئه، ربما فاجأته طلقة القناص لكن توقع الأسوأ يوم دخوله إلى سورمادا، رد بنبرة هادئة: «جيش التحرير يفكرون في القيام بمحاكمة علنية لعناصر فصيل ‘أنصار الله’ وسيكون أبو يزيد واحدا منهم»

ـــ «أتقول محاكمة علنية، ما هذا الخراء؟»

ـــ «التفسير المنطقي أن جيش التحرير يريدون التباهي أمام العالم وإثبات قوة سيطرتهم على منطقتهم»

ـــ «أعوان تركيشا اللعناء»

ـــ «ما يهم أن المحاكمة مجرد شكليات والنهاية معروفة» ألقى الرجل نظرة جانبية نحوه مدركا مقصده فالنهاية هي إعدام العناصر، وهكذا تحقق لسامي ما يريد وحان الوقت ليلقي طعمه: «لكن هذا يمنحنا فرصة كبيرة أيضا»

ـــ «ماذا تقصد؟»

ـــ «المحاكمة العلنية ستتم في كفر توما منطقة سيطرة جيش التحرير، وهذا يعني أنه سيتم نقل السجناء»

ـــ «إذن؟»

كان الرجل الضخم صاحب إدراك بطيء فتنهد سامي مجيبا: «هذا يعني أنك لن تكون في حاجة لمعرفة مكان احتجاز رفاقك. كل ما علينا هو الحرص على الحضور يوم المحاكمة»

تظاهر الرجل بالتفكير وهو ينصت لما يقال له ورد بعدها: «ومتى سيكون ذلك؟»

ـــ «مصادري ستحرص على تأمين هذه المعلومات» وقد كان يقصد الرقيب المنحرف

ـــ «إذن أرسل المعلومات، عندها فقط سأدفع لك أجرك الذي تستحق»

ولم يتنظر ردا وعاد أدراجه فانتهز رياض الفرصة ليلتقط الأوراق النقدية المرمية على الأرض، كان رجلا بسيطا يحب الربح السريع ولا يطرح كثيرا من الأسئلة، ساذج بعض الشيء، لكن هذا ما يجعله مناسبا. فقوة المال لا تضاهي قوة امتلاك المعلومات فكل ما يحتاجه المرء أن يجيد استخدامها. لو امتلك معرفة أكبر حول أبي يزيد لكان امتلك ورقة تفاوض أقوى تجعله يلين، حقا ألا يهمه المال؟ فأغلب من قابلهم كانوا من أمثال رياض.

قدم له كأس قهوة داخل مرأبه، وسحب كرسيين قائلا: «لم يكن عليك أن تثير حنقه، اللعب بالنار مع هؤلاء سيؤدي إلى هلاكنا»

جلس سامي قبالته ورد: «لم يكن ليؤذينا، فإنه في حاجتنا» لهذا أزعج نفسه بالحضور من المقام الأول، وأخذ رشفة من الكأس

ـــ «وإن يكن. إنك جاهل يا فتى، أبو سلمان ذاك أقل ما يمكنك الخوف منه»

توقف سامي عن الشرب قائلا: «تقصد القناص»

رشف رياض من سيجارته مطولا ونفث الدخان من ثقبي أنفه الواسعتين: «اسمه علي على ما أظن، من حسن حظي لم ألتقيه لكني سمعت الكثير عنه»

استرعى الأمر انتباه سامي فسأله: «حقا؟ وماذا تعرف عنه؟»

استند رياض إلى ظهر الكرسي وأجاب: «يقال إنه كان فتى يتيما إلى أن تكفل به القائد أبو يزيد، تربى على يديه وتلقى تدريبه تحت إشرافه مباشرة، أظنك سمعت بما حصل لثكنة الروش قبل عامين» ودنا منه دافعا كأس القهوة بمرفق يده: «يقال إنه منفذ العملية. يعرف عنه أنه قاتل محترف من الدرجة الأولى، خبير متفجرات واغتيالات وكما رأيت قناص يصيد طرائده على بعد أميال»

تبادرت إلى ذهن سامي تفاصيل عملية السابع من آب التي استهدفت جنودا من الروش، لا تختلف ظروفها عن باقي عمليات أبي يزيد التي يلفها الغموض والرعب، توقع كثيرا من المبالغات المضافة إلى التفاصيل، إلا أن معرفة المزيد عن هذا المدعو علي قد يقربه من هدفه، وضع سبابته على ذقنه مفكرا؛ إن كان ما يقوله رياض صحيحا فعلي هذا مستخدم آخر للسلاح الشبح. «هل يمكننا مقابلته؟»

ـــ «مقابلته؟ أتمزح؟ لا أحد يعرف كيف يبدو لهذا يسمونه المجاهد الشبح»

ـــ «أليس أبو يزيد المجاهد الشبح؟»

اختلطت في فم الرجل رائحة الدخان برائحة الفم الكريهة وقد تجاوز نصفه الخاص من الطاولة الدائرية الصغيرة مقتربا من وجه سامي أكثر من اللازم وأجاب: «هذا ما يظنه العامة من الناس، أما المقاتلون من التنظيم والجبهة فيعلمون أن أبا يزيد ترك خليفة لا يستهان به، لا بل خطر ذلك الرجل أكبر بكثير» ونفض عقب السيجارة في المنفضة التي لم يتم تنظيفها منذ زمن وأخذ يسرد ما سمع من أقاويل: «فلتسمع هذه الرواية التي لا يعرفها إلا قلة من جماعة الأنصار، اختلف تابعان لأبي يزيد مع علي ذاك، كانا رجلين مخلصين وبسمعة حسنة بين المقاتلين، قيل أن الأمر لم يكن أكثر من نعته بألفاظ غير محببة، أتعلم ما الذي حدث لهما؟ فلتحزر»

وأرغم سامي على الإجابة فقال: «قُتلا»

ـــ «القتل أقل ما يمكن تصوره في هذه الجريمة الشنيعة، في صباح اليوم التالي عُثر على جثتين متفحمتين، رأس كل جثة تفوح منها رائحة الشواظ، المحجرين مسودان، الذي أخبرني قال إنه لم يستطع تناول الطعام لثلاث أيام من هول ما رأى، مع العلم أنه مقاتل عايش من أهوال القتال ما يكفي ليشتد قلبه» وقع رماد من سيجارته على الكأس التي لم يرشف منها من تركيزه وهو يقول: «رغم معرفته للجاني، أبو يزيد لم يفعل شيئا واكتفى بترك علي في حاله»

ـــ «أتعني أن أبا يزيد لا يستطيع التحكم في أفعال تلميذه؟»

هز رياض كتفيه ثم رفع سبابته نحوه قائلا: «لذا أنصحك يا فتى، مهما يكن هدفك لا تعبث مع علي ذاك، لا تعبث مع أي أحد من جماعة الأنصار وإلا لن ينفعك الندم»

كانت نصيحته جيدة لكن مقابلة علي قد يقدم له معلومات باهظة الثمن.

*******

[«الفصل الأول: المقطع الخامس_قيامة عشتار»]