الفصل الثاني: الهوية

الفصل السابق | ابدأ القراءة | الفصل التالي

زهراء

ريف إيبلا الشمالي 10 أيار II021

‘القادم آت لا محالة’… اهتزت العربة على أثر مطبات الطريق الترابي، فأعادت الصبية التركيز على ما يجري أمامها، وإن كان شعور بحمل ثقيل على صدرها لا يفارقها. كان الميكروباص يقف بين الفينة والأخرى عند حواجز التفتيش التي تملأ الطريق من قرية ‘خربة اللوز’ متوجهة إلى مركز محافظة ‘إيبلا’. وفي كل حاجز، تعيد فحص بطاقة الهوية بين يديها.

ابتسمت الصبية بسخرية وهي تقبض على تلك البطاقة الرثة كحبل نجاة. حتى بعد موت الأم زهراء لم تقدر على الهروب منها. أخذت نفسا عميقا، فلديها مهمة، أجل، إنها مهمة بسيطة: أن تدخل المدينة تنفذ ما طُلب منها وتخرج دون أن تثير الشكوك. ستقبض أجرا جيدا إن أفلحت. لم يكن المال بحد ذاته هاجسها، لكنه الوسيلة الوحيدة لتستطيع تحرير العم أبا يزيد بأسرع وقت. فحياته مهددة مع كل يوم يقضيه بسجن ‘الحكسة’. وأعادت فحص الهوية في شك. كانت مضطرة لتغيير تاريخ الميلاد، وغيرت الصورة الشخصية ولكنها لم تستطع العبث بها أكثر.

‘لا تقفدي إيمانك فإنه قادم لا محالة’.. ‘لقد رأيته… عيناه… إنه قريب، سيأتي في زماننا لا محالة. انتظرناه لآلاف السنين.. وها هو سيأتي في زماننا أخيرا’ وعاد شبح الأم زهراء بابتسامتها الهزيلة يطارد خيال الصبية وهي تحدق في الراكبة التي تشاركها الكرسي الضيق رفقة طفل مريض. توارت هيئة المرأة خلف نقاب أسود سميك تضع ثلاث طبقات على رأسها؛ فلا أثر لعينيها حتى ارتفاع أرنبة أنفها تماهى مع طيات القماش. ‘إنه قدرنا فأنت تشبهينني وأنا أشبهك، كلتانا واحد. تذكري مهما افترقنا ستعودين إلي’.

“الأم زهراء ماتت” تمتمت الصبية بصوت خفيض أخفته زمجرة المحرك.

أدارت وجهها ناحية النافذة ذات الزجاج المغبش محاولة نيل قسط من الراحة قبل الوصول إلى المدينة، متجاهلة أنين الطفل المريض وأمه المتوارية خلف القماش الأسود تطبطب عليه. لم يكن أحد يستطيع رؤية تعابيرها ولكن يمكن الشعور بقهرها وقلة حيلتها وهي تحضن طفلها. الأم زهراء لم تكن هكذا، لكن الصبية امتلكت ذات يوم أما حقيقية، أما لا تتذكر عنها شيئا سوى لمسة الغطاء الأرجواني الخفيف الذي وارى جثتها.

على إيقاع العجلات غير المنتظم، يهتز هيكل العربة الرديء، إلا أن النعاس غالب الصبية من رتابة الطريق فأسدلت جفنيها للحظة. فتراءى لها حلم كانعكاس ضوء على الزجاج في نهار ضبابي، كالغمام، آسر وحزين بعض الشيء غير أن العين لا ترى سواه.

اهتزت الصبية من مكانها متأهبة على أثر صياح أحد الركاب ويدها على المسدس المتواري تحت عباءتها الفضفاضة. كان المسافر يتجادل مع السائق الذي رفض أن يسلك طريقا فرعية حيث توجد المحطة التي يريد المسافر الوصول إليها. أبعدت يدها عن المسدس، ماذا تفعل؟ يجب أن تتصرف كمدني بسيط، وتنسى السلاح للحظة فهكذا لن تصل إلى هدفها. 

تثاءبت وتأملت السماء الربيعية المثقلة بطبقة من السحاب الضبابي كذلك اليوم. أغمضت عيناها لحظة أخرى ومن دون أن تشعر غفت من جديد.

هدهدت الماما بها تلفها بين ذراعيها، تغني لها أغنية عن الحمام لتنام. تمسكت الأنامل الصغيرة بثياب أمها تنصت للتهويدة التي تُعزف على إيقاع نبضات قلبها الحنون ومال رأسها إلى صدرها… يا ترى ما الكلمات؟ ماذا كان لون عينيها؟ لو يعود صوتها الشجي يرن ليدفئ قلبها.

بيد أن هتملة خافتة من وعيد الأم زهراء تباغت نومها المتقطع: ‘أتريدين أن تأتي الشياطين وتأخذك؟ سيتعرفون عليك عندها سيلتهمونك.’ ‘لكن اسمي جوري، ماما تنادتني جوري وبابا أيضا. أراهما في أحلامي وأرى نفسي بالبيت، هناك دائما ضجة وصوت مذياع’. لكن جوري ماتت أيضا، تلك الطفلة الضعيفة انمحت من كيان الصبية منذ زمن طويل.

تحرك النسيم يتلاعب بالملاء، تنزل وتهبط على لحنه الكئيب. انقشع وجه الماما من بين مئات الأكفان، كاد لونه يمتزج مع الغطاء الأرجواني الخفيف. اندفعت الطفلة فرحة.. ماما.. ماما..

أفاقت الصبية هلعة، فقد توقفت العربة على حين غرة وتزعزعت الكراسي بالمسافرين الذين يراقبون الخارج بعين حذرة. كانت عربة نصف نقل مزودة برشاش ومجموعة مقاتلين. أثارت وجوههم المستنفرة قلق الركاب. عم الهدوء المتوتر عندما طُلب من السائق ركن الميكروباص إلى حاشية الطريق. أخذ ضابط باستجوابه والرجل يجيب بأدب باحثا بين أغراض صندوق تحت المقود عن أوراقه الرسمية ورخصة التنقل بينما صعد ضابط آخر صعد السيارة. توقف بين صفي الكراسي يجوب ببصره المكان.

وتحرك يتوجه من راكب إلى آخر، يطلب الهوية ويلقي أسئلة متطفلة. اشتدت قبضة الصبية على بطاقة الهوية، ماذا لو لم تكفيها للعبور. إنها لم تقترب حتى من المدينة. لا، اهدئي.. يمكنك فعلها.. ارسمي تعابير بلهاء، فتاة ساذجة.. يمكنك فعلها.. واختلست نظرة إلى زجاج النافذة، فعدلت الشال العريض على رأسها ورسمت على شفتاها العابستين ابتسامة هادئة، ولكن عينيها لم تستطع إخفاء ما يجوب بداخلها. فقد وصل لها الدور ووقف المقاتل عند رأسها. زين وجهه بلحية سوداء منتوفة كحاجبيه العابسين وعقد شماخا على رأسه لتحميه من حرارة الشمس في عز الظهيرة.

ترددت الصبية: يد على الهوية، واليد الأخرى تحركت تلقائيا ناحية المسدس الصغير على جانبها الأيسر. قال الرجل آمرا: “هويتك يا ابنة الحلال”، واحتدت نظرته وقد لاحظ أمرا مريبا في حركتها.

الفصل السابق | ابدأ القراءة | الفصل التالي

للمزيد من عالم قيامة عشتار:

جولة سياحية في المعتقلات

قصة الصراع الكوني الذي سبق التاريخ كله