الفصل الأول من رواية قيامة عشتار
الفصل السابق | ابدأ القراءة | الفصل التالي
هانا ويوهان
امتدت الحقول الذهبية على مد البصر في آلاف وآلاف من قرون الذرة الشهباء الشامخة متنعمة بضوء شمس يقظة. احمرت خدود الأخوين هانا ويوهان غير المعتادين على الحر الغرب الأمريكاني الذي يلهب بشرتهما الخزفية، وهما يمضيان عبر طريق ترابي طويل ممتد كأن لا بداية له ولا نهاية، يشق حقول الذرة كمفترق شعر الرأس.
قالت هانا مشيرة نحو الأفق: “انظر، سحابة على شكل تنين” ارتسمت ابتسامة دافئة على محيا يوهان، حينها كان لا يزال يمشي على قدميه، فتى معافى، طويل القامة بشعر أشقر غزير وعيون بزرقة السماء الصافية. ربت على رأسها: “أتحبين هذا المكان؟” أماءت بخضوع، فأردف: “إنك تحبين أي مكان نلجأ إليه”.
حركت يدها التي تضم يده جيئة وذهابا، فلا يهم أين ترحل مادام يوهان إلى جانبها. ارتحلوا من بقعة لأخرى منذ أن غادرا مسكنهما في قاعدة تقبع بجوف الأرض، كل مكان تلجأ إليه أجمل وأوسع وأدفئ. دارت حول نفسها وشراشف الفستان المنفوش تفرد كبتلات زهرة في عز الربيع وهي تصيح: “انظر إلي، أنا أطير”. وظلت تدور حول نفسها وخصلات شعرها تتراقص في الهواء كخيوط الذرة الذهبية.

ـ “هانا، لدي شيء لأخبرك به” انخفض حاجباه وعبس، فكفت عن الدوران وظل الفستان يرفرف لثوان قبل أن يخمل في فتور كعينيه حين قال: “تعلمين كيف أتينا إلى هذا العالم؟”
أماءت مجيبة: “أنا نصفك الثاني”
ـ “لا أقصد هذا”
ـ “نحن.. من القاعدة الجوفية؟”
نفى يوهان برأسه: “نحن.. كيف أصوغها؟” تردد للحظة ثم أضاف بنبرة جادة: “أنا وأنت لم نأت إلى هذا العالم بطريقة طبيعية كالآخرين. فنحن تم تطويرنا بمختبر لنكون غذاء لكائن مخيف جدا”.
ارتجفت تكرر: “غذاء؟ كطعام؟ كيف نكون طعاما ونحن بشر”
ـ “ومن قال أن البشر ليسوا كذلك؟ فجميع الكائنات على هذه الأرض طعام لكائنات أخرى”
ـ “حتى نحن؟”
ـ “حتى نحن.. نحن خلقنا لأن نكون طعاما، ألا تتساءلين لما يطعموننا ويأووننا من دون مقابل”
ـ “أسيتم أكلنا؟”
ـ “لن يلتهمنا بل سيستنزف ما بداخلنا”
كيفما صاغ الأمر لا تريد أن تتقبله: “لا أريد أن أكون طعاما”
مسح خدها من ذرات التراب المتطاير: “لا، لن نكون كذلك لأني لن أسمح لهم”
وأخذها من يدها ماضين لعمق الحقل بين أوراق الذرة الطويلة وهو يقول: “هانا، لم يعد لنا مكان للهرب منه” شعرت أنه يسحبها من يدها إلى مكان ما، فوازنت خطواتها لكيلا تدعس على دعسوقة نشيطة تخوض بين تربة الحقل الحمراء.
سألت: “ومن هذا الكائن الذي يلتهم البشر؟”
ـ “نحن أشباه بشر يا هانا..” راودها حزن وخوف مما ينتظرهما، أردف وهو يدعس سيقان الذرة غير النامية: “لا تخافي.. يوما ما سنحصل على قوة كافية لنعيش معا في مكان كهذا دون خوف، أتتزوجيني عندها؟”
ـ “طبعا!”
ابتسم ضاحكا: “لا يمكن ذلك يا هانا لكننا سنعيش للأبد معا”
هزت رأسها موافقة بحماس ثم سألت بتخوف: “هذا الكائن، أهو من نهرب منه دوما؟ هل يتبعنا الآن؟”
انفلتت منه ضحكة: “إنه ليس قادرا حتى على الحراك”
ـ “إذن أين هو؟ وما قصته؟ ولما يريد أكلنا؟”
ـ “حسن.. سأحكي لك قصة كما نفعل قبل النوم” وتمايلت سيقان الذرة مع هبة ريح ساخنة: “كان يا مكان، في زمن غابر، كان هناك كائن فضولي يحشر أنفه في كل شيء.. حتى عن مكان الآلهة نفسها، فصعد لأعالي السماوات فلم يجد أحدا.. صعد وصعد ولم يجد شيئا.. ثم نظر إلى العوالم أسفله وتجلى له أمر لا شك فيه، إنه أقوى وأبهى من كل ما يوجد تحته ولا شيء يعلوه، فعين نفسه إلها وبنى له عرشا” تخيلت هانا كرسيا منجدا بأذرع ذهبية على طراز فيكتوري: “استطاع ذلك الإله أن يحكم كل الأكوان كلها إلا بقعة صغيرة جذا بها شجرة واحدة، شجرة هائلة..”
وضوت أغصان متشابكة في خيال هانا تكاد تعانق السماء: “إنها أضخم شجرة يمكنك تخيلها. يعيش عليها كائن صغير لطيف مثلك” وابتسم لها، فتخيلت الكائن كفتاة طويلة الشعر ترقد على غصن متين من الشجرة: “إلهنا الفضولي لم يكن فضوليا فقط ولكن شجعا جدا، فأردا أن يقطع تلك الشجرة..”
ـ “ولماذا؟”
ـ “لا تقلق، فكائن الشجرة كان لعوبا بطبعه. فعندما اعتقد إلهنا أنه حكم كل شبر من الأكوان الثمانية، اكتشف أن كائن الشجرة لا يزال يعيش حرا طليقا في جسد إنسان”
ـ “إنسان، هل يعيش بيننا أيضا؟”
ـ “أجل، لقد أعطى كائن الشجرة كل قوته لبشري في غابر الزمان. فلم يستسلم إلهنا الفضولي الجشع. ولم يهدأ له بال إلى أن تمكن من القبض على ذلك البشري وكل عائلته، بل وسم سلالة تلك البشري باسم السلالة الرجيمة..”
ـ “السلالة الرجيمة.. لماذا؟ هل كانوا أشرارا أيضا؟”
ـ “لا يهم إن كانوا أشرارا أو أخيارا، لأن لا أحد سيغفر لهم.. إنهم سبب مأساتنا، السبب الذي يجعلنا نهرب”
دق قلب هانا بمزيج من الخوف والحزن فقاللت: “ولكن ماذا فعلوا؟”
ـ “ماذا فعلوا..” أرخى أصابعه في سكون في مسار دودة تتسلق ساق الذرة فلما صارت على يده رفعها وهو يلعب بها وهو يكمل الحكاية: “قضى إلهنا الفضولي الجشع القوي على كل أفراد السلالة إلا أقواهم ليحصل على قوة كائن الشجرة. فما كاد أن يحصل عليها، حتى تفتت كورقة وتبعثر في رمشة عين لتغرق الأكوان في فوضى لا نهائية..
ـ “لماذا..”
أعاد الدودة لتسرح فوق الورقة الخضراء: “لماذا..” واعوجت شفتاه صامتا للحظة ثم انبثقت من فمه ضحكة مستدركا: “إنها قصة مضحكة بعض الشيء، فإلهنا الذي كان أقوى كائن في الأكوان ضرب من قبل أرذل مخلوقات الكون…”
أشفقت هانا قليلا على الإله، فلو أن الآلهة أجابت نداءه ثم سألت: “هل مات؟”
ـ “إنه إله يا هانا، إنه لا يموت” وقرب سبابته التي صنعت ظلا على الدودة الخضراء اللزجة: “إلا أنه صار أوهن من دودة أرض مشوهة” ثم سحقها بأصبعه.
ثم انتهى الحقل إلى بقعة معشوشبة غير مزروعة وقال: “للأسف يا هانا لا يمكننا الهرب إلى الأبد”
ـ “ماذا تقصد؟”
انحنى إلى طولها وكفاه على كتفيها الضئيلين: “من صنعونا يبتغون ألا تعود تلك السلالة الرجيمة إلى الظهور. لكنهم مخطئون” واشتدت قوة قبضتيه على كتفيها: “السلالة الرجيمة لا تزال تسير في الأرض تعبث بها فسادا، إنهم قتلة، ملعونون، يتبعهم الموت والدمار أينما حلوا… سأحميك منهم ومن إلهنا المهزوم ومن مشيئة الآلهة نفسها، فأنت كل شيء بالنسبة لي هانا..”
وابتسم ابتسامة لم تدم سوى رمشة عين فقد غشاها خيال أجنحة كبيرة لمخلوق ملائكي، أكبر من أن تستوعب هانا أن تلك لم تكن أجنحة.. وإنما أشبه بدرفتي بوابة تمثلت على أنها أجنحة ملاك كما صورها رسامون ونحاتون من مختلف العصور في ريش زاخر بنعومة السحاب وبياض الثلج وبراءة الأطفال. ظن البشر دوما أن الملائكة مخلوقات نقية.. نحن البشر بسطاء، نسقط مفاهيمنا البشرية على ما هو خارج عن نطاقنا البشري. وأعمى بريقهما السماوي عينا هانا.. إنهما درفتا بوابة من طاقة لا قبل لك فيها أيها البشري.. عندما يفتحان فخذ حذرك، وعندما يغلقان تنفس الصعداء.
ـ “يوهان..” لم يكن صوتا بشريا وتجمدت أصابع يوهان عند كتفي هانا النحيلين. وتحولت ابتسامته إلى رعب. “أظننت أننا لن نجدك..”
إياد
سحب أبو يزيد الأب والابن معا نحو الخارج، ومن خلفه توسلات الأم وصراخ الطفلة تنادي أباها. واقتاد الرجلان إلى صف طويل من رجال الحارة الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة؛ مكتفي الأيدي، منهم من يبكي، يتوسل، ومنهم من يشهد وقد فهم أن نهايتهم محتومة.
خندق عميق بما فيه الكافية سيكون قبرهم، وسط أرض قاحلة، ومن بعيد تلوح لافتة ضخمة زرقاء في الطريق الخالي: ‘معرة العرب ترحب بكم’.
راقب القائد البصراوي كل فرد من فصيله هل ينفذون الأوامر أم أنهم سيترددون..

شعر أبو يزيد بكفه تدوي ألما، التي حطم بها باب منزل الأسرة واقتحمه شاهرا سلاحه على وجوه الأسرة الأربعة. لكن عيناه لم تبصرا سوى صورة الضبع قائدهم الخالد، صاحب الرقبة الطويلة يبتسم له بصفاقة، بوجه هادئ يرفع أنفه بنظرة صلفة. بل علقت صور الضبع بكل شارع وبكل حي.
كيف لهم أن يوالوا النظام والقتلة؟ كيف لهم أن يتحدوا مع من يقتل إخوتهم كل يوم؟ وتوسلات الأب لم تتوقف: ‘أبوس إيدك، خلي ابني روح، أبوس إيدك، ابني ما عمل شي..’
أعطى البصراوي الأمر بإطلاق النار…
وأطلق أبو يزيد النار، دون أن يحصي الرصاصات. كانت عملية إعدام باردة تحت شمس منتصف النهار.
هوت أجساد الأسرى إلى الحفرة دون عودة. وحث البصراوي على إطلاق مزيد من النار على الجثث المرمية للتأكد من وفاة كل واحد منهم، وعيناه تمحص مجنديه، من الذي سيتردد فيستغني عنه، ومن الذي سيمضي معه. لم يتردد أبو يزيد لحظة في تنفيذ الأوامر بل لم يحرك فيه ذلك ساكنا. نفذ الأوامر وتجاهل التفاصيل. لقد كانوا مجموعة من الموالين، لقد اتحدوا مع النظام الذي حرمه من عائلته، وحموا القتلة.
كانت فدوى هناك أيضا، تمعنَ في عينيها اللامعتين وهي تنظر إليه ورن صوتها: ‘إذا صارعت الوحش فاحذر من أن تصبح مثله’ وهوت إلى الحفرة. وأفاق أبو يزيد شاهقا… كان كابوسا من مئات الأحلام التي راودته طيلة فترة سجنه، محملة بكثير من اللحظات التي لم يعتقد بأنه يتذكرها بكل تفاصيلها.
مد يده في الظلام، فزعقت السلاسل عند كعبيه التي أضحت جزء من ساقه. اتجهت أصابعه ناحية الضوء البخيل القادم من ثقوب صغيرة عند حافة السقف.. تسللت ابتسامة إلى شفتيه تكسر جمود ملامحه. هل تآكل القرميد القديم عند تلك الحافة؟ ربما، فما يدريه، فها هو نور خفي يلامس أنامله الجافة بعد مدة طويلة.
توقف عن عد الأيام مستسلما لقدره، فعليه أن يدفع ثمن أفعاله. إلا أن رجاء يراود خاطره دون توقف، خاطر أن يطلب السماح منها، من صغيرته التي تركها. طفلته لم تحمل يوما حقيبة مدرسية وإنما بندقية… وهو كان السبب.
ها هي تأتي إليه، طفلة صغيرة بفستانها الأبيض المزركش وتحضن حذاءها الأحمر التي تحبه. تناديه بابا، تطلب منه أن يلبسها الحذاء، فيعقده لها ويحملها على كتفيه. فتطلق كفيها الصغيرين في الهواء بسعادة غامرة من أجل الخروج، فقد وعدها أن يشتري لها مثلجات، وها هي زوجته، تتذمر وتكرر بألا يفعل. ولكن ما الذي يمكنه هو أو زوجته أن يفعلا، فصغيرتهما العنيدة المدللة لن تهدأ إلى أن تحصل على مثلجاتها بنكهة الفراولة… وابتسمت شفته في عز الظلام بينما ندت عينه عن دمعة جافة لا تستحق الخروج…
إنه لا يستحق الحياة. إنه ملعون، ملعون، ملعون…
لم يعد يرغب في إسقاط نظام أو قتال مليشيات أجنبية أو الصراخ في مظاهرة ضد طاغية.. كل ما يرغب فيه أن يخرج ويضم طفلته… وأغمض عينيه عالما أنه لن يراها من جديد. كل ما يمكنه فعله من أجلها أن يموت بهدوء، فماذا يمكن أن تفعل بأب إرهابي.
ودوى زئير الباب الكهربائي. ارتفع صوت أقدام، إنهما شخصان.. طوال هذه المدة كان هناك حارس واحد يأتي له بفتات الطعام أو ليتأكد أنه لا يزال يتنفس. توقفا عن باب الزنزانة. لم يسحب الحارس الفتحة الصغيرة وإنما رنمت المفاتيح ثم الأقفال. دخل ضوء خافت لمصباح الممر ومعه رائحة عطر رجالي قوية.
أول ما أثر انتباه أبي يزيد هو لمعة الساعة الرقمية على معصم الزائر غير المتوقع، تبعث بضوء أحمر وسط السواد الضبابي تعكس ملامح شاب طويل القامة، أشقر الشعر.
ـــ «أرجو ألا أكون قد سببت لك إزعاجا سيد إياد حسن أم أنك تفضل مناداتك بالقائد أبي يزيد»
كان صوته يافعا مثل هيئته. وضع يديه في جيبيه وهو يقول: “جئت من أجل أن أقدم لك عرضا، عرضا سيخرجك من هذا الجحر”.
الفصل السابق | ابدأ القراءة | الفصل التالي
للمزيد من عالم قيامة عشتار:
لعنة طبريا:



