السؤال ‘أين يوجد الإله؟’ قد يبدو سؤالا إلحاديا ولكن في عمقه يحمل اعتقادا راسخا بوجود الإله حتى نسأل عن ‘مكان’ وجوده. ما سأطرحه في هذا المقال هي فكرة على قدر غرابتها، إلا أنها تسعى لإيجاد بداية للبحث عن تفسير منطقي للمكان الافتراضي الذي تتوارى خلفه الآلهة إن وُجدت. إن كنت ملحدا فلن تخش شيئا وإن كنت مؤمنا، أؤكد لك أن هذا السؤال ليس زندقة وإنما صلاة تفكيرية في خيال كاتب فضولي.

مفهوم الزمن كأول عتبة للبحث عن أين يوجد الإله
ما هو الزمن؟ الزمن كمفهوم يتم تعقيده. والإجابة بكل بساطة أن الزمن هو الحركة الدائمة. إن لم تعجبك إجابتي فلا بأس فلست عالمة ولا خبيرة، وقد تحمل أخطاء فيزيائية وفلسفية عميقة. إلا إذا أردتُ تقديم مفهوم مبسط فإني سأقول: الزمان هو عبارة عن تبادل طاقي إثر قوى التجاذب يسير في اتجاه واحد غير معكوس.
حاول التخيل معي: بداية الزمن كانت نبضة قلب. وبدأت حركة التجاذب والتنافر، وهذا الاتجاه يصبو به الكون لإيجاد توازنه لتصل قوة ‘الفوضى: الانتروبي’ نحو الصفر. عندها تنتهي الحياة. فالحياة هي عبارة عن ترددات طاقية بين أصغر العناصر المكونة لكل ذرات الكون. ولكل كون زمان خاص به يسير في اتجاه واحد نحو التوازن. والتوازن يحدث عندما تختزل كل هذه المسارات في نقطة واحدة. فتنعدم الحركة وحينها ينعدم الزمن.
ولكن هل يمكن للحركة أن تنعدم في لحظة ما أو في ظروف معينة؟
‘مكان’ وجود الإله بين الفيزياء والعدم
علميًا، ترتبط الحرارة بالحركة. وكلما ازدادت حرارة نظام ما، ازدادت طاقته، واضطربت عناصره. أما عند الصفر المطلق الذي قيمته -273.15°C ، فإن الحركة تتوقف، والزمن كما نفهمه، باعتباره تعبيرًا عن التغير الدائم في الحركة، يُصبح بلا معنى. إنها حالة من “السكون الكلي”، وهنا لا نتحدث عن برودة عادية، ففي هذه الدرجة، تتوقف كل التبادلات والتحولات. وقد تكون هذه اللحظة بداية مناسبة للإجابة عن ‘أين يوجد الإله’.
لكن ما يهمني هنا ليس المعادلات، بل المعاني. فإذا كانت الحياة، والزمن، والطاقة كلها تشترك في كونها أشكالاً من الحركة والحرارة، فإن غياب هذه العناصر تأخذنا إلى مكان خارج عن نطاق قدرات وعينا وخيالنا، إنه المكان الوحيد الذي لم نقدر على تفتيشه ونحن نبحث عن تلك الإلهة المختبئة عنا خلف حجاب.
باغتتني الفكرة ماذا لو كان الإله ‘يوجد’ وراء هذا الحد؟ فأينما كانت هذه الإلهة أو ماهيتها فهي بالتأكيد تفوقنا وعيا وقدرة، وهي عكسنا نحن، تتجاوز حدود الزمكان. فإذا أردنا البحث عنها، فلابد وأن ننظر نحو ذلك الحد الذي مهما اقتربنا لم نستطع أن نصل إليه لأنه بكل بساطة حينها يسقط المعنى وبالتالي يسقط فحوى معاني أجسادنا المادية.
أين يوجد الإله والصفر المطلق
أصغر درجة حرارة في الكون (أبرد ما يمكن) هي الصفر المطلق = 0 كلفن =’273.15 ـ’ درجة مئوية:
- هذه هي أبرد درجة ممكنة نظرياً، حيث تتوقف حركة الذرات تماماً.
- لا يمكن الوصول إليها عملياً، لكن العلماء اقتربوا منها جداً في المختبرات.
- في 2019، توصل باحثون ألمان إلى تبريد ذرات الليثيوم إلى 38 تريليون جزء من الكلفن فوق الصفر المطلق!
- في الفضاء، أبرد مكان معروف هو سديم Boomerang Nebula ، بدرجة حرارة تقارب 1 كلفن فقط.
فها هو الأنسان عند تلك الحافة، يريد أن يلقي نظرة خاطفة: ماذا سيحدث حين تنعدم الحركة وتتوقف كل ذرات الكون عن الحركة وتكف الأوتار عن الاهتزاز؟
البرودة المطلقة والصمت الوجودي
- الصفر المطلق يمثل نهاية الحركة، موت الزمن من منظور الديناميكا الحرارية.
- فلسفياً، هو رمز لـ العدم الديناميكي، حيث لا طاقة.. لا تغيير.. لا حياة.
- يمكن اعتباره استعارة للفراغ المطلق، أو النيرفانا في بعض الفلسفات الشرقية: حالة السكون الكامل.
سؤال ميتافيزيقي يطرح نفسه هنا:
“هل يمكن وجود كيان بلا طاقة أو حركة؟ وهل العدم يمكن أن يُقاس أو يُستشعر؟”
السؤال الحقيقي
كلما تأملت أكثر في الفكرة، بدا لي أن الصفر المطلق وحده لا يكفي.
فإذا كان الصفر المطلق يمثل الصمت الكامل، فإن حرارة بلانك تمثل الضجيج الكامل؛ وإذا كان أحدهما نهاية الحركة، فإن الآخر هو ذروتها.
وعند التأمل في هذين الحدين، تظهر مفارقة غريبة: كلاهما يقع خارج قدرتنا على الفهم. عند أحدهما ينهار الزمن لأنه يتوقف، وعند الآخر ينهار لأنه ينفجر.
ربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: أين يوجد الإله؟
بل: ما الذي يبقى قائمًا عندما يصل الكون إلى أقصى درجات الصمت أو أقصى درجات الفوضى؟ وهذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسعى للإجابة عنه.
إن كان هناك شيء لا يتأثر بالحرارة ولا بالبرودة، لا بالخلق ولا بالفناء، لا ببداية الزمن ولا بنهايته، فربما يكون ذلك الشيء أقرب إلى ما حاول البشر عبر آلاف السنين أن يسموه: الإله.
أما أنا، فلا أقدم جوابًا، بل أترك السؤال مفتوحًا عند حافة الكون، حيث تبدأ الأسئلة التي لا يملك العلم ولا الدين ولا الفلسفة كلمة أخيرة بشأنها.



