عشتار واحدة من أشهر الإلهة في الحضارات التي قامت ببلاد الرافدين، بيد أننا لا نعلم عنها الكثير. عثر الباحثون على تماثيل لها بأشكال عديدة وأسماء مختلفة. وحاولوا سبر أغوار مجموعة نصوص بلغتنا الحاضرة ليكتشفوا ماهيتها. فها هي إلهة ارتبطت بالحب والخصوبة والجمال، وها هي هنا إلهة حرب وقوة ودمار. ما بين النقيضين، يتبين الواضح الذي تحاول أدمغتنا البشرية بشكلها الحالي أن تتجاهله أو تمحوه: عشتار هي إلهة كل شيء واللاشيء. إنها التناقض والتكامل. عشتار قد تكون كلمة المفتاح نحو التاريخ الذي تم محوه.
في مقالتي سنلخص أهم المعلومات عن الإلهة عشتار وخصوصا تلك التي يتم تجاهلها.

من هي عشتار
يعود أصل عشتار إلى الحضارة السومرية، حيث كانت تُعرف باسم إنانا. ومع انتقال الأساطير بين الشعوب، تبنت الحضارات الأكادية والبابلية هذه الإلهة تحت اسم عشتار. وأصبحت لاحقًا واحدة من أهم الآلهة في الشرق الأدنى القديم، وانتشرت عبادتها في مناطق واسعة من بلاد الرافدين.
لم يقتصر تأثير هذه الإلهة على حضارات بلاد الرافدين فقط، بل امتد إلى ثقافات أخرى في الشرق الأوسط والبحر المتوسط. وللأسف، تم التقليل منها باعتبارها إلهة ‘أنثوية’ في حضارات ذكورية لاحقة. وإن كنت أرى، بأن رمز عشتار بكل مسمياته هو أقدم من هذه الحضارات وتم استعارته والمحاولة في تغيير جوهرها.

فعشتار لم تكن إلهة حب فقط كما يتم تبسيطها. وللأسف، الكثير من الكتب الحديثة تختزل هذه الإلهة في الجمال والخصوبة. بيد أن في النصوص السومرية والأكدية، كانت إلهة سلطة سياسية وحرب وملكية. في بعض النصوص، الملوك كانوا يعلنون أن عشتار هي التي منحتهم العرش؛ أي أنها كانت مصدر الشرعية السياسية، وليس مجرد إلهة ‘عاطفية’. وهذه نقطة مهمة جدًا وغالبًا يتم تجاهلها.
الآلهة التي تجمع بين النقيضين
كانت عشتار وظلت واحدة من أكثر الشخصيات الأسطورية تعقيدًا في تاريخ الحضارات القديمة، لأنها تمثل اتحاد النقيضين في كيان واحد. فهي إلهة الحب والخصوبة والجمال، لكنها في الوقت نفسه إلهة الحرب والدمار والانتقام. هذا الجمع بين الحياة والموت، الحب والحرب، الخلق والهدم، جعل عشتار رمزًا للقوة الكونية التي لا تسير في اتجاه واحد، بل تتحرك بين الأضداد. في الأساطير السومرية والبابلية، لم تكن الإلهة البلبلية إلهة خيّرة أو شريرة فقط، بل كانت تمثل الطبيعة نفسها: تمنح الحياة ثم تأخذها، تبني ثم تدمر، تحب ثم تغضب. لذلك يمكن فهم عشتار كرمز لفكرة أن الكون قائم على التوازن بين القوى المتعارضة، وأن القوة الحقيقية ليست في النقاء أو الخير المطلق، بل في القدرة على احتواء التناقضات والسيطرة عليها.
عشتار والسلطة السياسية
لعبت هذه الإلهة البابلية دورًا محوريًا في السياسة والملكية. في العديد من النصوص، كان الملوك يعلنون أن عشتار هي التي منحتهم الحكم، ما جعلها مصدرًا للشرعية السياسية. وهذا يكشف أن دورها كان مرتبطًا ببنية الدولة نفسها، وليس فقط بالمعتقدات الدينية.
بوابة عشتار: رمز الإمبراطورية
لم تكن بوابة عشتار في بابل مجرد بناء ديني، بل كانت رمزًا سياسيًا بامتياز. فقد شكّلت مدخلًا احتفاليًا للمدينة، وطريقًا للمواكب الملكية، وعرضًا مباشرًا لقوة الإمبراطورية.

ارتبط اسم عشتار هنا بالقوة العسكرية والهيبة، مما يعكس تحولها إلى رمز للدولة، لا مجرد إلهة. فكانت بوابة عشتار:
- مدخل المدينة
- رمز الإمبراطورية
- طريق المواكب الملكية
- عرض للقوة
- دعاية سياسية
أي أن اسم عشتار كان مرتبطًا أيضا بالإمبراطورية والقوة العسكرية.
اكتشاف 2025 في تل هوينجق
في عام 2025، اكتشف فريق ألماني نقشا ضخما طوله يفوق خمسة أمتار بوزن خمسة طن للملك ‘آشور بانيبال’ أثناء التنقيب بتل هوينجق بالموصل ـ العراق. تجلت أهمية هذا الاكتشاف لأنه يظهر الملك بين الإلهة عشتار والإله آشور. المفاجأة تكمن في أنه من النادر إيجاد في القصور الآشورية المعروفة عادة صور للملك مع الآلهة عشتار نفسها.
قيمة الاكتشاف:
أكد العلماء أن هذا استثنائي لأن في القصور تظهر صور الملك فقط، لا الآلهة. أي أن القصر هنا كان يؤدي وظيفة طقسية-دينية، وليس سياسية فقط. وما يثير الاهتمام أكثر، أن النقش وجد مدفونا داخل حفرة دفن قديمة. افترض الباحثون أنه ربما سكان العصر الهلنستي دفنوه عمدًا.
وهنا بدأ الجدل، لأن الدفن المتعمد عادة يعني:
ـ تحطيم عبادة
ـ أو حماية مقدسات
ـ أو طقس انتقال ديني
أي أن نينوى لم تُهجر فجأة كما كنا اعتقد العلماء وقد تم تدميرها بالكامل سنة 612 ق.م على يد تحالف قوى اتحدت هيمنة الحضارة الآشورية. لكن قبل هذا التدمير من الغزاة، كان هناك اختلال بداخل المدينة وحياة شعبها عبر تحول ديني وثقافي؛ والذي بدأ بالتخلي عن إلهته القديمة تدريجيا مستبدلا إياه بإله يعترف باتجاه واحد فقط: القوة والحرب.
فالاكتشاف عام 2015، حيث وجدوا أن صورة هذه الإلهة مع الملك مدفونة، تثير الأسئلة. فالدفن قد يعني دفن الماضي دون تدميره، وتوديعه في مراسم وطقوس محددة.
لما ذكرنا هذه النقطة بالذات؟ لنبين أن ما اكتشفه العلماء إلى حد الآن يمثل غيضا من فيض. وأفضل مثال هو تل قوينجق بالموصل تحديدا بالمنطقة الأثرية، التي كانت تسمى نينوى في الحضارات القديمة. وهذا التل كما شرحنا في مقال آخر، هو تل صناعي تراكم عبر الزمن ولم نكتشف منه إلا طبقة سطحية، لصعوبة التنقيب والظروف السياسية بالمنطقة. فربما قد يكون الاكتشاف القادم هو صورة لملك مع عشتار وحدها أو ربما صورة الإلهة وحدها أو ربما ملكة…
الإلهة البابلية والزهرة
ارتبطت عشتار بكوكب الزهرة، الذي يظهر كنجمة صباح ونجمة مساء، ثم يختفي عدة أيان من السماء قبل أن يعود للظهور. فربط السومريون اختفاءها بالموت، النزول إلى العالم السفلي، العودة، الولادة الجديدة. بمعنى آخر، رأى القدماء أن سلوك كوكب الزهرة هو انعكاس لمفاهيم الموت والبعث، النزول والعودة، ما جعل عشتار رمزًا للدورات الكونية، وليس فقط للحب أو الخصوبة.
كما أن عشتار ارتبطت بعدة رموز شهيرة، من أهمها: النجمة ذات الثمانية رؤوس والأسد…
هذا التعدد في أسماء عشتار يعيدنا إلى تعدد الأسماء الحسنى. فالله في الدين الإسلامي هو الإله الأوحد ويجمع بين كل الصفات المتكاملة والمتناقضة بنفس الوقت لكمال قدرته وحكمته. ولن نستبعد تخيل أن عشتار كانت في الزمن القديم تعبد برؤية مشابهة.
نزول عشتار إلى العالم السفلي
يحتفل المسيحيون من كل أنحاء العالم بعيد الفصح المجيد بأول أحد بعد اكتمال القمر الأول بعد الاعتدال الربيعي. وهو اليوم الذي قام به المسيح بعدما ضحى بنفسه من أجل الخلق. وقبل ظهور المسيحية بقرون طويلة وربما ألفيات، كتبت أسطورة عشتار التي نزلت إلى العالم السفلي مضحية بنفسها، مواجهة الموت لتبعث من جديدة مكملة دورة الحياة.
ولازال الآشوريون والسريان والكرد وغيرهم يحتفلون بعيد أكيتو او النيروز بأول الربيع، فالربيع يمثل رمز للعودة الحياة بعد الموت.
حسب أسطورة نزول إلى العالم السفلي. فإن عشتار تنزل إلى عالم الموتى، مما يؤدي إلى توقف الخصوبة في الأرض. وعندما تعود إلى العالم العلوي، تبعث الحياة وتعود الطبيعة إلى ازدهارها.
تمرعشتار في رحلتها عبر سبع بوابات، وفي كل بوابة تُنزع قطعة من ملابسها أو زينتها، حتى تصل عارية وضعيفة. ويمكن تفسير هذا المشهد إلى تصورات مختلفة:
- نزع السلطة
- نزع الهوية
- الموت الرمزي
- إعادة الولادة
- طقوس التحول
بمعنى آخر أن عشتار تمثل التحول، وليس فقط الخصوبة. وترجمة لدورة الطبيعة التي حاول الإنسان الزراعي الأول نبش أسرارها وصنع أساطير تفسر ما يحدث حوله وتنظم مفاهيم الطبيعة بطريقة مبسطة.
مع احترامنا لكل الديانات، فمن المرجح أن أسطورة عشتار في العالم السفلي تمت ‘استعارتها’ من قبل أديان مختلفة. فالباحثون الأكاديميون اتفقوا على وجود نمط متكرر يسمى في الدراسات: ‘الإله الذي يموت ويبعث’ والإلهة إنانا (الاسم الأصلي لعشتار)، هي أول من ارتبط اسمها بملحمة ‘الموت طواعية لإنقاذ العالم’.
عشتار وكسر القوالب الجندرية
من أكثر الأمور التي يتم تجاهلها هو كسر عشتار للأدوار الجندرية. تشير بعض النصوص إلى أن هذه الألهة كانت مرتبطة بتغيير الأدوار الاجتماعية والجندرية، حيث رعت فئات من الكهنة خارج التصنيفات التقليدية. ذا الجانب يكشف عن ارتباطها بمفهوم التحول والسيولة، وتجاوز الحدود الصارمة التي يفرضها المجتمع.
حسب بعض النصوص القديمة، عشتار:
- وتحول النساء إلى رجال أو العكس.
- وترعى الكهنة الذين ليسوا إناثا ولا ذكورا، كانوا يدعون gala
هذا يعني أن عشتار كانت مرتبطة بـ:
- تغيير الهوية
- كسر النظام الاجتماعي
- الفوضى المنظمة
- التحول
- السيولة الجندرية (بمفهوم قديم)
7ـ المدونة أصداء عشتار
قد يوحي اسم المدونة بأن معظم ما سيكتب هو يرتبط بالحضارات القديمة. بيد أنها العكس هي إسقاط لرؤيتنا للمستقبل. اخترنا اسم عشتار ليس لأنه اسم واحدة من أعظم الآلهة في التاريخ القديم، وإنما لأنها هذا الإله بصيغة المؤنث يحمل في طياته الأسرار التي لا نزال نبحث عنها من تاريخنا المفقود.
فأول إلهة عرفها البشر كانت إلهة أنثى، انبثقت من حبه للطبيعة واشتياقه لحنان الأم، ومن ضياعه في هذا الكون المجهول له باحثا عن رسالة، عن معنى لمخلوق أضحى واعيا بطريقة لم نستطيع أن نفهمها.
المدونة محاولات مستمرة للبدء برسم ملامح أسطورة أنثوية جديدة. إنها ليست مجرد فكرة عابثة أو هواية لبضعة أشخاص حالمين، وبالتأكيد ليست نظرية مؤامرة. خلق أسطورة أنثوية جديدة هي حاجة ملحة لنا في حين أن النظام العالم يهوي إلى حافة الدمار.
النظام العالمي عبر الحقب المدونة في التاريخ الحالي، مليء بالمعاناة واللامعنى، رُسم بجذور ذكورية متوحشة تحاول ترويض الطبيعة وخنق الأنثى في كل شيء: في الإنسان، وفي الطبيعة وفي الكون. بالتأكيد المدونة ليست من أجندات نسوية وإنما بكل بساطة هي رد فعل طبيعي لما يحدث للعالم. قد يظهر للكثيرين أن وصف النظام العالمي بالذكوري غباء، أو اعتبار النظام الأبوي نظاما فاسدا يسبب المعاناة هي فكرة أشخاص يعادون النظام أو حتى الرجال. ولكن باستخدام قليل من المنطق، بل فقط استخدم عينيك أيها القارئ وانظر إلى العالم حولك، أينما كنت سترى عبثية الدمار والظلم حتى في البلدان التي نراها متقدمة في مجال حقوق الإنسان.
هذه العبثية الهوجاء ليست عشوائية وإنما نتائج تراكبت على اتباع تجاه ذكوري محض، وتجاهل ثنائيات الطبيعة المتناقضة والمتكاملة بدء من الإنسان. تذكر أن الجنين في بطن أمه يكون أنثى ‘حيادية’ ثم يتحول إلى أنثى أو ذكر. والإلهة عشتار هي أول خيط عثرنا عليه ليربطنا بهذه الجذور المفقودة.
نرجو أن تكون هذه المقالة أفادتك بمعلومات جديدة ونرجو أن تستمر في متابعتنا.



