أثناء بحثي في أحد المواضيع، دخلت إلى Google Earth لإلقاء نظرة على معبد عشتار متمنية أن تتاح لي فرصة زيارته. غير أن خيبة أمل ممزوجة بتساؤلات محيرة راودتني وأنا أبحث في صور الأقمار الصناعية عبر السنوات. فبين 2021 و2023 نلاحظ بوضوح بوجود دبابتين بالقرب من المعبد.

عبر Google Earth بالقرب من معبد عشتار، لا وجود لمبنى، لا وجود لحياة. ولكن هذا مجرد تضليل، فالدخول إلى ذلك المكان هو متاهة من الأسرار التي لم يقدر الإنسان الحالي على فك شيفرتها بعد.
تل قوينجق: جبل من الزمن
تل قوينجق في نينوى ليس مجرد موقع أثري، بل هو واحد من أكثر الأماكن تعقيدًا في فهم التاريخ البشري. ما يبدو اليوم كتلّة ترابية صامتة، يُخفي تحت سطحه طبقات متراكمة من الحضارات، الطقوس، والتحولات الفكرية التي امتدت لآلاف السنين. وفي قلب هذا التل، يقبع واحد من أكثر المراكز الدينية غموضًا وتأثيرًا في العالم القديم: معبد عشتار.

عندما نقول إن تل قوينجق ‘جبل أثري صناعي’، فنحن لا نستخدم تعبيرًا مجازيًا. فالتل:
- يمتد لحوالي 900 × 600 متر
- يرتفع أكثر من 30 مترًا
- يحتوي طبقات استيطان متراكمة منذ ما يقارب 6000 سنة
هذا يعني أن الموقع ليس مدينة واحدة، بل مدن فوق مدن. كل جيل كان يبني فوق أنقاض السابق، ليس بدافع الرمزية، بل كجزء من دورة الحياة الطبيعية في وادي الرافدين؛ حيث كانت المباني الطينية تنهار وتُعاد تسويتها ثم البناء فوقها. لنحصل في النهاية على:
أرشيف عمودي هائل، حيث كل متر عمق قد يمثل قرنًا أو أكثر من الزمن.
تل قوينجق أرشيف عمودي هائل، حيث كل متر عمق قد يمثل قرنًا أو أكثر من الزمن
لماذا لم يُكتشف كل شيء بعد؟
رغم أكثر من قرن من التنقيب، فإن الجزء الأكبر من التل ما يزال مدفونًا. السبب ليس نقصًا في الجهد، بل في طبيعة علم الآثار نفسه.
التنقيب عملية تدميرية: عندما تُكشف طبقة، لا يمكن إعادتها. لهذا يعمل علماء الآثار بنظام ‘نوافذ محدودة’، يختارون نقاطًا صغيرة للحفر بدل إزالة التل بالكامل. وبالتالي ما نعرفه عن نينوى هو عيّنة فقط، وليس الصورة الكاملة.
الظروف السياسية المتأزمة: العراق يقع في منطقة ساخنة وعرف حروبا وأزمات سياسية غيرت تركيبته الاجتماعية والبيئية. جعلت من عمليات البحث والتنقيب صعبة وخطرة. فمثلا في حرب الكويت، كان هناك قطع نهائي للعلاقات الدبلوماسية بين العراق وأمريكا وغيرها من الدول، أزمة سياسية أثرت على التقدم الاكتشافي بالمنطقة. أما حرب 2003 فحملت كثيرا من التكهنات، وخصوصا أن اول ما فعله الجيش الأمريكي بعد دخوله للعراق الاتجاه إلى مدينة أور الأثرية ونهب كم كبير من الآثار. ولكن هذا سنناقشه فيما بعد.
الخلاصة، على مدى قرون، توالت الحملات التنقيبية الغربية لكن بعد انتهاء حرب الخليج، أقيم حصار شامل على العراق وتوقفت معظم الحملات إلا بعضها الذي سمح له بالبقاء تحت إشراف دولي.
وهنا قد نفترض أسبابا منطقية لوجود دبابات أو آليات عسكرية. فأول افتراض هي حماية لفريق التنقيب لانعدام الأمن وخصوصا في الفترات التي ابتلي العراق بتفجيرات انتحارية.
معبد عشتار: مركز يتكرر عبر الزمن
انتشرت معابد عشتار عبر مدن العالم القديم، ويظل معبد نينوى أكبرهم وأشهرهم. في داخل تل قوينجق، كان معبد عشتار يُعاد بناؤه مرارًا عبر آلاف السنين. لم يكن مبنى ثابتًا، بل فكرة معمارية تتكرر.
فكل ملكة أو ملك:
- يهدم أو يطمر ما قبله
- يبني فوقه نسخة جديدة
لذلك فالمعبد الذي ندرسه اليوم هو في الحقيقة آخر طبقة من سلسلة طويلة من المعابد المتراكمة.
لماذا لا نرى كل هذا في Google Earth؟
لأن ما نراه هو السطح فقط. فالموقع اليوم يظهر كالتالي:
- تل ترابي
- بقايا جدران منخفضة
- خنادق حفريات
أما:
- الجدران المزخرفة
- النقوش
- القاعات
فقد نُقل معظمها إلى متاحف عالمية منذ القرن 19.
بمعنى آخر:
نينوى اليوم ‘مقسومة’ بصريًا بين العراق (الهيكل) والعالم (المحتوى).
كيف يبدو المعبد فعليًا؟
على عكس ما يتخيله كثيرون، المعبد ليس بناءً شاهقًا أو معلمًا مرئيًا من بعيد. لذلك سأقدم لك أيها القارئ تجربة بصرية بالكلمات.
في هذه الزيارة، تخيل أنك تسير مبتعدا عن ضفة نهر دجلة بحوالي كيلومتر، ثم تبدأ بصعود تل قوينجق. فتظهر الطبقة الأولى من معبد عشتار المدفون في مئات الأطنان من الرمل والحجارة.
تظهر المدينة الأثرية بمساحة اثنا عشر كلم، عبارة عن أرض طينية جافة، بخيلة الحياة.
من بعيد، سيظهر لك معبد عشتار سوى مجرد تل طيني جاف، ستتوقف عنده حائرا فلا باب يرحب بك. وستزداد حيرتك حين تكتشف أن المعبد هو التل بحد ذاته. فالتضريس الطبيعي لم يكن سوى جبل أثري راكمه الزمان لستة آلاف سنة. يتكون من طبقات بنيت فوق بعضها على مراحل طويلة من الزمن. تل بمساحة شاسعة: عشرين كيلومتر مربع وارتفاع ثلاثين مترا. ولكي تزور المعبد عليك أولا الصعود فوق الزمن، فالمعبد لم يكن سطح التل وإنما طبقات التاريخ المدفونة تحته.
تسير صعودا على منحدر ترابي، من حولك شظايا الفخار، وطابوق طيني مكسور وحجارة منحوتة شبه ظاهرة.
الخيبة التي يتلقاها المرء للوهلة الأولى هي عندما يكتشف أن المعبد ليس مبنى ظاهرا كالأهرامات والباراثنيون وإنما مدينة مسحوقة.
عند اقترابك من السطح، ستتوقف مرغما لتتأمل الأرضيات الحجرية الضخمة، والممرات الضيقة وقواعد الجدران؛ فلا جدران كاملة. وذلك لأن الأصلية ذابت لأنها بنيت من اللبن؛ أي من الطين المجفف فاختفى ارتفاعها الأصلي مع مرور الزمن. وما تبقى هو هيكل المكان. فما كان داخله من نقوش وجدران حُمل إلى المتاحف الغربية. وتبقّى لك أيها الزائر الشرقي الأوسطي سوى المخطط الخارجي فقط.
(بمعنى آخر، لكي ترى قلب معبد عشتار الأخير من زخارف ومحتويات أثرية، عليك أن تطير آلاف كيلومترات من المعبد نحو بريطانيا وفرنسا لتشاهد بوابة عشتار أو أهم تماثيلها.)
وعندما تتقدم أكثر ستتجلى أمامك غرف كثيرة صغيرة بأساسات سميكة جدا عبرها ممرات ملتوية تشكل متاهة طقسية. سطح المعبد بمساحة مئة متر، ويتكون من أربعين غرفة. لكن المثير في الموضوع، أن كل ملك كان يبني معبده الخاص فوق القديم، أي كل ما تراه هو أرضية مرحلة متأخرة جدا. حوالي تسعين في المئة من التل الذي نحن عليه. غير. مكتشفة.
لذلك تذكر أيها الزائر: أن كل اكتشف هو فيض من غيض، فأنت وعلى تل قوينجق تقف فوق الزمان حرفيا. فكل متر في العمق من المكان يساوي أكثر من قرن من التاريخ. فكلما انهار المبنى الأصلي لأسباب طبيعية أو بشرية، يسوى. ثم يأتي الأحفاد ليبنوا معبد عشتار من جديد وهكذا.
ثم ستصل إلى غرفتين متصلتين يسميان ‘قدس الأقداس’ حيث كان تمثال الإلهة. كل غرفة هي بسقف واطئ وقد تلاشت إضاءة النهار إلى ضوء صنع من ظلال المكان وزواره. التجربة المعمارية هنا ليست بصرية، بل نفسية: فكلما تقدمت إلى الداخل؛ يضيق المكان؛ يقل الضوء؛ يزداد الشعور بالانغلاق؛ كأنك لا تدخل مبنى… بل تنزل إلى باطن الأرض. وقد تشابه التجربة النفسية إلى حد ما زيارة رجم الهري.
وهنا ستنتهي زيارتك لمعبد عشتار أيها القارئ.
الاكتشافات الحديثة (2022–2025)
شهدت نينوى في السنوات الأخيرة موجة تنقيب جديدة أعادت الاهتمام العالمي بالموقع. فكانت أبرز الاكتشافات:
1ـ نقش ضخم في قصر الملك
في قصر آشور بانيبال تم العثور على لوحة حجرية عملاقة تُظهر:
- الملك
- الإلهة عشتار
- الإله آشور
وهذا الاكتشاف مهم جدًا، لأنه يكسر الفكرة التقليدية بأن القصور الآشورية كانت ‘علمانية نسبيًا’.
2ـ لاماسو وتماثيل جديدة
تم العثور على تماثيل حارسة (لاماسو) وأجزاء من قصور كانت تُعتقد مدمّرة بالكامل.
3ـ دلائل على دفن متعمد
بعض النقوش لم تُدمّر، بل دُفنت بعناية. وهذا يشير إلى أن من تعامل معها لم يكن عدوًا، بل ربما مجتمع لاحق حاول:
- حماية المقدسات
- أو إنهاء طقس ديني بطريقة منظمة
لماذا عشتار تحديدًا مهمة؟
الجدل الحقيقي في هذه الاكتشافات لا يدور حول الملك، بل حول عشتار.
في الفهم القديم:
- آشور = إله الدولة
- الملك = ممثله
- عشتار = إلهة ثانوية
لكن وجودها داخل قاعة العرش غيّر هذا النموذج. عشتار ليست إلهة عادية، بل تجسيد للتناقض:
- حرب / حب
- فوضى / نظام
- حياة / موت
وجودها في مركز الحكم يعني:
السلطة الآشورية لم تكن فقط نظامًا عسكريًا، بل نظامًا طقسيًا يعتمد على التوازن بين القوى المتناقضة.
هل نينوى سقطت فعلًا فجأة؟
الرواية التقليدية تقول إن نينوى دُمّرت سنة 612 ق.م وانتهت. لكن الأدلة الحديثة تشير إلى احتمال مختلف:
- استمرار السكن بعد السقوط
- إعادة استخدام المواقع
- دفن طقسي بدل تدمير كامل
وهذا يفتح احتمال أن الانهيار لم يكن لحظيًا، بل تدريجيًا؛ مرتبطًا بتحول ديني وثقافي قبل أن يكون عسكريًا.
الأهمية الحقيقية لتل قوينجق
تكمن أهمية الموقع في أنه:
- يوثق انتقال البشر من مجتمعات بسيطة إلى إمبراطوريات
- يكشف العلاقة بين الدين والسلطة السياسية
- يقدم نموذجًا فريدًا للزمن ‘العمودي’
- ما يزال يحتوي على أجزاء ضخمة غير مكتشفة
خلاصة
تل قوينجق ليس مجرد موقع أثري، بل طبقات من الوعي البشري المتراكم. ومعبد عشتار ليس مبنى، بل فكرة استمرت آلاف السنين عبر إعادة البناء والتكرار.
فكما ذكرنا معبد عشتار الأخير الذي لدينا بسطح تل قوينجق الأثري، هو جزء محدود من الطبقات التي تمثل العصر الآشوري. من تحته العصر الوسيط، وتليه طبقة من العصر البرونزي ثم مدن ما قبل الإمبراطوريات ليصلوا إلى المستوطنات ما قبل الكتابة. واكتشاف ما يدفنه تل هوينجق سيزيل اللثام عن الطبقة السردية للتاريخ القديم غير المكتوب.



